ثم يقول الحق سبحانه: {واقترب الوعد الحق فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذين كَفَرُواْ . .} .
فكوْنُ أهل الفساد يأتون مُسْرِعين من كل حَدب وصَوْب إلا أن فسادهم لن يطول ، فقد اقتربت القيامة ، قال تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] .
وقال: {أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ . .} [النحل: 1] .
وهذا تنبيه للغافل ، وتحذير للباغي من أهل الفساد ، وتطمين ورجاء للمظلومين المستضعفين المعتدَى عليهم: اطمئنوا فقد قرب وقت الجزاء .
{واقترب الوعد الحق . .} [الأنبياء: 97] والوعد الحق أي: الصادق الذي يملك صاحبه أن يُنفّذه ، فقد تَعِد وعداً ولا تملك تنفيذه فهو وَعْد ، لكنه وَعْد باطل ، فالوعد يختلف حَسْب مروءة الواعد وإمكانياته وقدرته على إنفاذ ما وعد به .
لكن مهما كانت عندك من إمكانيات ، ومهما ملكتَ من أسباب التنفيذ ، أتضمن أن تُمكِّنك الظروف والأحوال من التنفيذ؟ ولا يملك هذا كله إلا الله عز وجل ، فإذا وعد حقق ما وعد به ، فالوعد الحق - إذن - هو وعد الله .
وحين يقول الحق سبحانه: {واقترب الوعد الحق . .} [الأنبياء: 97] فتنبه ولا تَقِسْ الدنيا بعمرها الأساسي ، إنما قِسْ الدنيا بعمرك فيها ، فهذه هي الدنيا بالنسبة لك ، ولا دَخْلَ لك بدنيا غيرك ، فإذا كنتَ لا تعلم متى تفارق دنياك فلا شَكَّ أن عمرك قريب ، واقترب الوعد الحق بالنسبة لك .
وكذلك مدة مُكْثِك في قبرك إلى أن تقوم الساعة ستمر عليكِ كساعة من نهار ، كما قال سبحانه: {كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النهار . .} [يونس: 45] .
ولو تنَّبه كل مِنّا إلى إخفاء الله لأجله ، لعلم أن في هذا الإخفاء أعظمَ البيان ، فحين أخفاه ترقبناه في كل طَرْفة عَيْن ، وتنفُّس نَفَسٍ ؛ لذلك يقولون:"مَنْ مات قامت قيامته"، لأن القيامة تعنى الحساب والجزاء على الأعمال ، ومَنْ مات انقطع عمله ، وطُويَتْ صحيفته .