{ثُمَّ نُكِسُواْ على رُؤُوسَهُمْ} قال أهل التفسير: أجرى الله تعالى الحق على لسانهم في القول الأول ، ثم أدركتهم الشقاوة أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم ، يقال: نكسته قلبته فجعلت أسفله أعلاه أي استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاؤوا بالفكرة الصالحة ثم انقلبوا عن تلك الحالة فأخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة وقالوا {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ} فكيف تأمرنا بسؤالها؟ والجملة سدت مسد مفعولي {علمت} والمعنى لقد علمت عجزهم عن النطق فكيف نسألهم؟ {قَالَ} محتجاً عليهم {أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً} هو في موضع المصدر أي نفعاً {وَلاَ يَضُرُّكُمْ} إن لم تعبدوه {أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} "أف"صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر ، ضجر مما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم وبعد وضوح الحق فتأفف بهم واللام لبيان المتأفف به أي لكم ولآلهتكم هذا التأفف {أف} مدني وحفص ، {أفّ} مكي وشامي {أفّ} غيرهم {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أن من هذا وصفه لا يجوز أن يكون إلهاً.
فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب {قَالُواْ حَرّقُوهُ} بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظع {وانصروا ءالِهَتَكُمْ} بالانتقام منه {إِن كُنتُمْ فاعلين} أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصراً مؤزراً فاختاروا له أهول المعاقبات وهو الإحراق بالنار وإلا فرطتم في نصرتها ، والذي أشار بإحراقه نمروذ أو رجل من أكراد فارس.
وقيل: إنهم حين هموا بإحراقه حبسوه ثم بنوا بيتاً بكوثى وجمعوا شهراً أصناف الخشب ثم أشعلوا ناراً عظيمة كادت الطير تحترق في الجو من وهجها ، ثم وضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً فرموا به فيها وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل ، وقال له جبريل: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا.
قال: فسل ربك.
قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.