والقاعدة المقررة في الأصول: أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد ، وإنما جمع باعتبار تعدد الأ'مال الموزونة فيه.
وقد قدمنا في آخر سورة"الكهف"كلام العلماء في كيفية وزن الأعمال ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقوله في هذه الآية {القسط} أي العدل ، وهو مصدر ، وصف به ، ولذا لزم إفراده كما قال في الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيراً... فالتزموا الإفراد والتذكيرا
كما قدمناه مراراً. ومعلوم أن النعت بالمصدر يقول فيه بعض العلماء: إنه للمبالغة. وبعضهم يقول: هو بنية المضاف المحذوف ، فعلى الأول كأنه بالغ في عدالة الموازين حتَّى سماها القسط الذي هو العدل. وعلى الثاني فالمعنى: الموازين ذوات القسط.
واللام في قوله: {لِيَوْمِ القيامة} فيها أوجه معروفة عند العلماء:
(منها) أنها للتوقيت ، أي الدلالة على الوقت ، كقول العرب: جئت لخمس ليال بقين من الشهر ، ومنه قول نابغة ذبيان:
توهمت آيات لها فعرفتها... لستة أعوام وذا العام سابع
(منها) أنها لام كي ، أي نضع الموازين القسط لأجل يوم القيامة ، أي لحساب الناس فيه حساباً في غاية العدالة والإنصاف.
(منها) أنها بمعنى في ، أي نضع الموازين القسط في يوم القيامة.
والكوفيون يقولون: إن اللام تأتي بمعنى في ، ويقولون: إن من ذلك قوله تعالى: {وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة} أي في يوم القيامة ، وقوله تعالى: {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} [الأعراف: 187] أي في وقتها. ووافقهم في ذلك ابن قتيبية من المتقدمين ، وابن مالك من المتأخرين ، وأنشد مستشهداً لذلك قول مسكين الدارمي:
أُولئك قومي قد مَضوا لسبيلهم... كما قد مَضَى من قَبل عاد وتبَّع
يعني مضوا في سبيلهم. وقول الآخر:
وكل أب وابن وإن عَمَّرا معاً... مقيمَيْن مفقود لوقتٍ وفاقد