وجملة {وَلَقَدِ استهزيء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ} مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزيته ، كأنه قال: إن استهزأ بك هؤلاء فقد فعل ذلك بمن قبلك من الرسل على كثرة عددهم وخطر شأنهم {فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ} أي أحاط ودار بسبب ذلك بالذين سخروا من أولئك الرسل وهزئوا بهم {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} :"ما"موصولة ، أو مصدرية ، أي فأحاط بهم الأمر الذي كانوا يستهزئون به ، أو فأحاط بهم استهزاؤهم ، أي جزاؤه على وضع السبب موضع المسبب ، أو نفس الاستهزاء ، إن أريد به العذاب الأخروي.
{قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم باليل والنهار مِنَ الرحمن} أي يحرسكم ويحفظكم.
والكلاءة: الحراسة والحفظ ، يقال: كلأه الله كلاء بالكسر ، أي حفظه وحرسه.
قال ابن هرمة:
إن سليمى والله يكلؤها... ضنت بشيء ما كان يرزؤها
أي قل يا محمد لأولئك المستهزئين بطريق التقريع والتوبيخ: من يحرسكم ويحفظكم بالليل والنهار من بأس الرحمن وعذابه الذي تستحقون حلوله بكم ونزوله عليكم؟ وقال الزجاج: معناه: من يحفظكم من بأس الرحمن.
وقال الفراء: المعنى: من يحفظكم مما يريد الرحمن إنزاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة.
وحكى الكسائي والفراء: من يكلوكم بفتح اللام وإسكان الواو {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ} أي عن ذكره سبحانه فلا يذكرونه ولا يخطرونه ببالهم ، بل يعرضون عنه ، أو عن القرآن ، أو عن مواعظ الله ، أو عن معرفته.
{أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا} :"أم"هي المنقطعة التي بمعنى بل ، والهمزة للإضراب والانتقال عن الكلام السابق المشتمل على بيان جهلهم بحفظه سبحانه إياهم إلى توبيخهم وتقريعهم باعتمادهم على من هو عاجز عن نفع نفسه ، والدفع عنها.
والمعنى: بل لهم آلهة تمنعهم من عذابنا.
وقيل: فيه تقديم وتأخير ، والتقدير: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم.