قوله: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} في هذه الجملة وجهان ، أحدهما: أنها في محلِّ جرٍّ صفةً ل"كتاب"، والعائدُ محذوفٌ ، تقديرُه: في كتاب لا يَضِلُّه ربي ، أو لا يَضِلُّ حِفْظَه ربي ، ف"ربي"فاعل"يَضِلُّ"على هذا التقدير ، وقيل: تقديرُه: الكتابَ ربي . فيكون في"يَضِلُّ"ضميرٌ يعود على"كتاب"، وربي منصوبٌ على التعظيمِ . وكان الأصلُ: عن ربي ، فحُذِفَ الحرفُ اتِّساعاً ، يُقال: ضَلَلْتُ كذا وضَلَلْتُه بفتح اللام وكسرها ، لغتان مشهورتان وشُهراهما الفتحُ . الثاني: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب ساقها تبارك وتعالى لمجرد الإِخبارِ بذلك حكايةً عن موسى .
وقرأ الحسنُ وقتادة والجحدريُّ وعيسى الثقفي وابن محيصن وحَمَّاد بن سلمة"لا يُضِلُّ"بضم الياء أي: لا يُضِلُّ ربي الكتابَ أي: لا يُضَيِّعه يقال: أَضْلَلْتُ الشيءَ أي: أضعتُه .
ف"ربي"فاعلٌ على هذا التقدير . وقيل: تقديرُه: لا يُضِلُّ أحدٌ ربي عن علمه أي: عن علم الكتاب ، فيكون الربُّ منصوباً على التعظيم .
وفرَّق بعضُهم بين ضَلَلْتُ وأَضْلَلْت فقال:"ضَلَلْتُ منزلي"، بغيرِ ألفٍ ، و"أَضْلَلْت بعيري"ونحوَه من الحيوان بالألفِ . نقل ذلك الرمانيُّ عن العرب ، وقال الفراء:"يقال: ضَلَلْتُ الشيءَ إذا أَخطأْتَ في مكانه وضَلِلْتُ لغتان ، فلم تهتدِ له ، كقولك: ضَلَلْتُ الطريقَ والمنزلَ ولا يُقال: أَضْلَلْتُه إلاَّ إذا ضاع منك كالدَّابة انفلَتَتْ ، وشبهِها ."
قوله: {وَلاَ ينسى} في فاعل"ينسى"قولان ، أحدهما: أنه عائدٌ على"ربي"أي: ولا ينسى ربي ما أَثْبَتَه في الكتاب . والثاني: أنَّ الفاعلَ ضميرٌ عائدٌ على الكتاب على سبيل المجاز ، كما أُسند إليه الإِحصاءُ مجازاً في قوله {إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49] لمَّا كان مَحَلاًّ للإِحصاء .
قوله: {الذي جَعَلَ لَكُمُ} :