وقيل لما قال {إنّا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى} قال فرعون {فما بال القرون الأولى} فإنها كذبت ثم إنهم ما عذبوا.
وقيل: لما قرر أمر المبدأ والدلالة القاطعة على إثبات الصانع قال فرعون: إن كان ما ذكرت في غاية الظهور فما بال القرون الأولى نسوه وتركوه ، فلو كانت الدلالة واضحة وجب على القرون الماضية أن لا يكونوا غافلين عنها.
فعارض الحجة النقلية ، ويجوز أن يكون فرعون قد نازعه في إحاطة الله بكل شيء وتبينه لكل معلوم فتعنت وقال: ما تقول في سوالف القرون وتمادي كثرتهم وتباعد أطراف عددهم ، كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم ، فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه وهو مثبت عنده {في كتاب} ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل ، أي {لا يضل} كما تضل أنت {ولا ينسى} كما تنسى يا مدّعي الربوبية بالجهل والوقاحة قاله الزمخشري.
والظاهر عود الضمير في {علمها} إلى {القرون الأولى} أي مكتوب عند ربي في اللوح المحفوظ لا يجوز عليه أن يخطئ شيئاً أو ينساه ، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه ، وضللته لغتان فلم يهتد إليه كقولك: ضللت الطريق والمنزل ولا يقال أضللته إلاّ إذا ضاع منك كالدابة إذا انفلتت وشبهها قاله الفراء.
وقال الزجاج: ضللته أضله إذا جعلته في مكان ولم تدر أين هو ، وأضللته والكتاب هنا اللوح المحفوظ.
وقيل {في كتاب} فيما كتبته الملائكة من أحوال البشر.
وقيل: الضمير في {علمها} عائد على القيامة لأنه سأله عن بعث الأمم.
وقال السدّي {لا يضل} لا يغفل.
وقال ابن عيسى {لا يضل} لا يذهب عليه تقول العرب ضل منزله بغير ألف.
وفي الحيوان أضل بعيره بالألف.
وقيل: التقدير {لا يضل ربي} الكتاب {ولا ينسى} ما فيه قاله مقاتل.