وكذا ما روي عن أبي سعيد أيضاً حرصنا أن يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فأبى إن كان محفوظاً فهو قبل الهجرة ، وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن.
الثالثة: قال أبو بكر الخطيب: ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد ؛ ثم الحبر خاصة دون المداد لأن السواد أصبغ الألوان ، والحبر أبقاها على مر الدهور.
وهو آلة ذوي العلم ، وعدّة أهل المعرفة.
ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال: رآني الشافعي وأنا في مجلسه وعلى قميصي حبر وأنا أخفيه ؛ فقال: لم تخفيه وتستره؟ إن الحبر على الثوب من المروءة لأن صورته في الأبصار سواد ، وفي البصائر بياض.
وقال خالد بن يزيد: الحبر في ثوب صاحب الحديث مثل الخَلُوق في ثوب العروس.
وأخذ هذا المعنى أبو عبد الله البَلَوي فقال:
مِدادُ المَحَابرِ طيبُ الرجال ...
وطِيب النساءِ من الزّعفرانْ
فهذا يَليق بأثواب ذَا ...
وهذا يليقُ بثوب الحَصَانْ
وذكر الماوردي أن عبد الله بن سليمان فيما حكى ؛ رأى على بعض ثيابه أثر صفرة ؛ فأخذ من مداد الدواة وطلاه به ؛ ثم قال: المداد بنا أحسن من الزعفران ؛ وأنشد:
إنّما الزّعفرانُ عِطرُ العَذَارَى ...
ومِدادُ الدّويِّ عِطرُ الرِّجالِ
الرابعة: قوله تعالى: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} اختلف في معناه على أقوال خمسة ؛ الأول: إنه ابتداء كلام ، تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين.
وقد كان الكلام تم في قوله:"في كتاب".
وكذا قال الزجاج ، وأن معنى"لا يضلّ"لا يهلك من قوله: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض} [السجدة: 10] .
"وَلا يَنْسَى"شيئاً ؛ نزّهه عن الهلاك والنّسيان.
القول الثاني:"لاَ يَضِلُّ"لا يخطئ ؛ قاله ابن عباس ؛ أي لا يخطئ في التدبير ، فمن أنظره فلحكمة أنظره ، ومن عاجله فلحكمة عاجله.
القول الثالث:"لا يضل"لا يغيب.
قال ابن الأعرابي: أصل الضلال الغَيبوبة ؛ يقال: ضلّ الناسِي إذا غاب عنه حفظ الشيء.