وكان بعضهم يحفظ ثم يكتب ما يحفظ ؛ منهم الأعمش وعبد الله بن إدريس وهشيم وغيرهم.
وهذا احتياط على الحفظ.
والكَتْب أولى على الجملة ، وبه وردت الآي والأحاديث ؛ وهو مرويّ عن عمر وعلي وجابر وأنس رضي الله عنهم ، ومن يليهم من كبراء التابعين كالحسن وعطاء وطاوس وعروة بن الزبير ، ومن بعدهم من أهل العلم ؛ قال الله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: 145] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون} [الأنبياء: 105] .
وقال تعالى: {واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً} [الأعراف: 156] الآية.
وقال تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} [القمر: 52 53] .
وقال: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} إلى غير هذا من الآي.
وأيضاً فإن العلم لا يضبط إلا بالكتاب ، ثم بالمقابلة والمدارسة والتعهد والتحفظ والمذاكرة والسؤال والفحص عن الناقلين والثقة بما نقلوا ، وإنما كره الكَتبْ من كره من الصدر الأوّل لقرب العهد ، وتقارب الإسناد لئلا يعتمده الكاتب فيهمله ، أو يرغب عن حفظه والعمل به ؛ فأما والوقت متباعد ، والإسناد غير متقارب ، والطرق مختلفة ، والنَّقَلة متشابهون ، وآفة النسيان معترضة ، والوهم غير مأمون ؛ فإن تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى ، والدليل على وجوبه أقوى ؛ فإن احتج محتج بحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تكتبوا عني ومن كتب غير القرآن فليمحه"خرجه مسلم ؛ فالجواب أن ذلك كان متقدماً ؛ فهو منسوخ بأمره بالكتابة ، وإباحتها لأبي شاه وغيره.
وأيضاً كان ذلك لئلا يخلط بالقرآن ما ليس منه.