وقال أبو علي: (لا يخلو النُّهَى من أن يكون مصدرًا كالهدى، أو جمعًا كالظلم. وقوله تعالى: {لِأُولِي النُّهَى} يقوي أنه جمع لإضافة الجمع إليه، وإن كان المصدر يجوز أن يكون مفردًا في موضع الجمع؛ لأنه لا يثنى ولا يجمع، والنُّهى معناه في اللغة: الثبات والحبس، ومنه النهي والتنهية للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع فيه لشغله ولمنعه بارتفاع ما حوله من أن يسيح فيذهب على وجه الأرض) . هذا كلامه. وقد رجع القولان في اشتقاق النُّهية إلى قول واحد، وهو الحبس، والنُّهية هي التي تنهي وتحبس عن المقابح.
قال ابن عباس في رواية عطاء: ( {لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} يريد العبرة لذوي العقول) . يريد للذين يتناهون بعقولهم عن معاصي الله. ونحو هذا قال الضحاك.
وقال في رواية الوالبي: (لذوي التقى) .
وقال قتادة: (لذوي الورع) . وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن ذا العقل يكون ورعًا تقيًا، ليس أن النهي تكون بمعنى الورع والتقى. وقال أهل المعاني: (إنما اختص أولو النهي؛ لأنهم أهل الفكر والاعتبار والتدبر والاتعاظ) .
55 -قوله تعالى: {مِنْهَا} أي: من الأرض، وجرى ذكرها عند قوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} [طه: 53] ، {خَلَقْنَاكُمْ} يعني خلق آدم من الأرض والبشر كلهم منه.
{وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} أي: بعد الموت {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} يريد عند البعث، يعني كما أخرجكم أولًا عند خلق آدم من الأرض. قال الزجاج: (لأن إخراجهم وهم تراب بمنزلة خلق آدم من تراب، فكأنه قال - والله أعلم -: ومنها نخلقكم تارة أخرى) . ومضى الكلام في تارة عند قوله: {أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى} [الإسراء: 69] . انتهى انتهى {التفسير البسيط. 14/ 413 - 424} .