واللين من شعار الدعوة إلى الحق ، قال تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] وقال: {فبما رحمة من الله لِنتَ لهم} [آل عمران: 159] .
ومن اللين في دعوة موسى لفرعون قوله تعالى: {فقل هل لك إلى أن تَزّكّى وأهديَك إلى ربك فتخشى} [النازعات: 18 ، 19] وقوله: {والسلام على من اتبّع الهدى} [الكهف: 47] ، إذ المقصود من دعوة الرسل حصول الاهتداء لا إظهار العظمة وغلظة القول بدون جدوى.
فإذا لم ينفع اللين مع المدعوّ وأعرض واستكبر جاز في موعظته الإغلاظ معه ، قال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم} [العنكبوت: 46] ، وقال تعالى عن موسى: {إنّا قد أوحي إلينا أن العَذاب على من كذّب وتولّى} [طه: 48] .
والتّرجي المستفاد من (لعلّ) إما تمثيل لشأن الله في دعوة فرعون بشأن الراجي ، وإما أن يكون إعلاماً لموسى وفرعون بأن يرجوَا ذلك ، فكان النطق بحرف الترجي على لسانهما ، كما تقول للشخص إذا أشرت عليه بشيء: فلعلّه يصادفك تيْسير ، وأنت لا تريد أنّك ترجو ذلك ولكن بطلب رجاء من المخاطب.
وقد تقدمت نظائره في القرآن غير مرّة.
والتذكّر: من الذُّكر بضم الذال أي النظر ، أي لعلّه ينظر نظر المتبصّر فيعرف الحق أو يخشى حلولَ العقاب به فيُطيع عن خشية لا عن تبصر.
وكان فرعون من أهل الطغيان واعتقاد أنه على الحق ، فالتذكر: أن يعرف أنه على الباطل ، والخشيةُ: أن يتردد في ذلك فيخشى أن يكون على الباطل فيحتاط لنفسه بالأخذ بما دعاه إليه موسى.
وهنا انتهى تكليم الله تعالى موسى عليه السلام.
{قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) }