قال ابن الأنباري: وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتحمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم ويحتاج إلى التروّح ، فقيل له: طأ الأرض ، أي لا تتعب حتى تحتاج إلى التروّح.
وحكى القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى ، فأنزل الله: {طه} يعني: طأ الأرض يا محمد ، وحكي عن الحسن البصري أنه قرأ:"طه"على وزن دع ، أمر بالوطء ، والأصل: طأ ، فقلبت الهمزة هاء.
وقد حكى الواحدي عن أكثر المفسرين أن هذه الكلمة معناها: يا رجل ، يريد النبي صلى الله عليه وسلم قال: وهو قول الحسن وعكرمة وسعيد ابن جبير والضحّاك ، وقتادة ومجاهد وابن عباس في رواية عطاء والكلبي غير أن بعضهم يقول: هي بلسان الحبشة والنبطية والسريانية ، ويقول الكلبي: هي بلغة عك.
قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى ؛ لأن الله سبحانه لم يخاطب نبيه بلسان غير قريش.
انتهى.
وإذا تقرّر أنها لهذا المعنى في لغة من لغات العرب كانت ظاهرة المعنى واضحة الدلالة خارجة عن فواتح السور التي قدّمنا بيان كونها من المتشابه في فاتحة سورة البقرة ، وهكذا إذا كانت لهذا المعنى في لغة من لغات العجم واستعملتها العرب في كلامها في ذلك المعنى كسائر الكلمات العجمية التي استعملتها العرب الموجودة في الكتاب العزيز ، فإنها صارت بذلك الاستعمال من لغة العرب.
وجملة: {مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان لتشقى} مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب ، والشقاء يجيء في معنى التعب.
قال ابن كيسان: وأصل الشقاء في اللغة: العناء والتعب ، ومنه قول الشاعر:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم