ثم من المعلون - بإعلام الله سبحانه - أنه تعالى لم يرسل رسولاً إلا بلسان قومه ، فموسى ، عليه السلام ، إنما خاطب أهله في هذه المحاورة باللسان العبراني (الذي هو لسان قومه ، وجل كلام ربنا عن الحرف والصوت والتقييد بالجملة ، فالوارد في كتابنا إنما هو حكاية المعنى الذي خوطب به موسى ، عليه السلام ، وخاطب به ، واللسان العبراني) أقرب الألسنة إلى اللسان العربي ، فما المانع أن يجري فيه ويطرد كل ما في اللسان العربي من الضروب المذكورة قل أو كثر (ذلك) .
(ثم) في الجواب عما تقدم ما لا يفتقر فيه إلى بنائه على ما مهدناه. فأقول مستعيناً بالله سبحانه في قول موسى ، عليه السلام ، لأهله: (امكثوا) وسقوط ذلك في سورة النمل قد يكون مما قاله ، عليه السلام ، نطقاً باللغة التي كلمهم بها ، وقد يكون مما فهمه عنه أهله بإشارة أو قرينة أو حال ، فيكون قد أمرهم بذلك على كل حال فإما بنطق أو غيره ، فمرة حكى معنى نطقه أو مراده بما قد فهم عنه أهله الأمر ، ومرة اكتفى بما بعد (هذا) الأمر اقتصارً على ما يحصل المقصود ، فلا اختلاف ولا اعتراض في ذلك.
وأما قوله: (لَعَلِّي آتِيكُمْ) في السورتين وقوله في النمل: (سَآتِيكُمْ) فإن حرف التسويف يفهم الاستقبال ، و (ولفظ) لعل أيضاً يعطي ذلك مع زيادة الترجي والطمع ، فيمكن لتقارب معنييهما أن يكون في لسانهم عبارة موضوعة للمعنيين معاً ، فلم يكن بد من ورود الحرفين عند الحكاية ليحرز ذلك وقوع المعنى وحصوله على ما هو في لسانهم.
وأما تقديم ذكر القبس في سورة طه على الخبر وتأخيره في السورتين فعنوان بين يعرف أن القصة محكية على معناها لضرورة اختلاف اللغتين ولو ورد الأخبار على التزام التقدين في إحداهما وتأخير الآخر على اللزوم لما أحرز ما ذكرنا.