لذلك لم نزل القرآن على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اعترض كفار مكة على القرآن ، ولم يجدوا فيه عيباً فيما يدعو إليه من أخلاق فاضلة ومُثل عليا ، ولم يجدوا فيه مَأْخذاً في أسلوبه ، وهم أمة ألِفتْ الأسلوب الجيد ، وعَشقَتْ آذانها فصاحة الكلام ، فتوجهوا بنقدهم إلى رسول الله فقالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
فكلُّ اعتراضهم أنْ ينزلَ القرآن على محمد بالذات ؛ لذلك رَدَّ عليهم القرآن بما يكشف غباءهم في هذه المسألة ، فقال: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} [الزخرف: 32] كيف ونحن قد قسمنا بينهم معيشتهم الأدْنى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ} [الزخرف: 32] .
وهم يريدون أنْ يقسموا رحمة الله فيقولون: نزل هذا على هذا ، وهذا على هذا؟
ثم يقول تعالى: {فاستمع لِمَا يوحى} [طه: 13] مادة: سمع . منها: سمع ، واستمع وتسمَّع . قولنا: سمع أي مصادفة وأنت تسير في الطريق تسمع كلاماً كثيراً . منه ما يُهمك وما لا يهمك ، فليس على الأذن حجاب يمنع السمع كالجفْنِ للعين ، مثلاً حين ترى منظراً لا تحبه .
إذن: أنت تسمع كل ما يصل إلى أذنك ، فليس لك فيه خيار .
إنما: استمع أنْ تتكلَّف السماع ، والمتكلم حُر في أنْ يتكلم أو لا يتكلم .
وتسمَّع . أي: تكلّف أشدّ تكلّفاً لكي يسمع .
لذلك ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم حين يخبر أنه ستُعم بلوى الغِنَاء ، وستنتشر الأجهزة التي ستشيع هذه البلوى ، وتصبها في كل الآذان رَغْماً عنها يقول:"مَنْ تسمَّع إلى قَيْنة صب الآنك في أذنيه".
أي: تكلَّف أنْ يسمع ، وتعمَّد أن يوجه جهاز الراديو أو التلفزيون إلى هذا الغناء ، ولم يقُل: سمع ، وإلاّ فالجميع يناله من هذا الشر رَغْماً عنه .