فمدح المنصت لاستماع كلامه مع حضور العقل ، وأمر عباده بذلك أدباً لهم ، فقال:
{وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] وقال ها هنا: {فاستمع لِمَا يوحى} لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى.
روي عن وهب بن منبّه أنه قال: مِن أدب الاستماع سكون الجوارح وغَضّ البصر ، والإصغاء بالسمع ، وحضور العقل ، والعزم على العمل ، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى ؛ وهو أن يكفّ العبد جوارحه ، ولا يشغلها.
فيشتغل قلبه عما يسمع ، ويغضّ طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى ، ويحصر عقله فلا يُحدِّث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه ، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم.
وقال سفيان بن عُيينة: أوّل العلم الاستماع ، ثم الفهم ، ثم الحفظ ، ثم العمل ، ثم النشر ؛ فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب ، وجعل له في قلبه نوراً.
قوله تعالى: {إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ فاعبدني وَأَقِمِ الصلاة لذكري} فيه سبع مسائل:
الأولى: اختلف في تأويل قوله:"لِذِكرِي"فقيل: يحتمل أن يريد لتذكرني فيها ، أو يريد لأذكرك بالمدح في عليين بها ، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول.
وقيل: المعنى ؛ أي حافظ بعد التوحيد على الصلاة.
وهذا تنبيه على عظم قدر الصلاة إذ هي تضرع إلى الله تعالى ، وقيام بين يديه ؛ وعلى هذا فالصلاة هي الذكر.
وقد سمى الله تعالى الصلاة ذكراً في قوله: {فاسعوا إلى ذِكْرِ الله} [الجمعة: 9] .
وقيل: المراد إذا نسيت فتذكرت فصلِّ كما في الخبر"فليصلِّها إذا ذَكَرها".
أي لا تسقط الصلاة بالنسيان.