وكذلك كان المؤمنون الأولون، حتى إن الرجل من الأنصار بعد المؤاخاة كان يشاطر أخاه في ماله غير ضنين، بل إن بعضهم كان ذا زوجتين فهمَّ بأن يطلق إحداهما ليتزوجها أخوه، ولذا وصف اللَّه الأنصاري بقوله تعالى: (. . . وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ. . .) .
ولقد كانت المحبة الصادقة والمودة الرابطة قوة المسلمين في مكة، حيث لا قوة لهم من مال أو جاه أو سلطان، فقد كانت هذه المودة دافعة أبا بكر لأن يشتري الأرقاء من المؤمنين، ويعتقهم، وقد صاروا فيما بعد قوة المسلمين في الجهاد وذوي شأن بين أهل الإيمان، وإنه من وقت زال الود الجامع للمؤمنين زالت وحدتهم، وذهبت قوتهم، ولا أستطيع أن أقول: إنهم خرجوا عن الإيمان، ولكن المؤكد أنهم لم يعملوا عملا صالحا، بل تنابذوا وذهبت ريحهم.
ولقد ذكر اللَّه سبحانه وتعالى ما يجمع شملهم ويوحد أمرهم، ويذهب شتاتهم وهو القرآن الكريم. فقال تعالى:
(فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا(97)
الضمير في (يَسَّرْنَاهُ) يعود إلى القرآن؛ لأنه حاضر في قلوب المؤمنين يملأ أجواءهم بعطره ونوره فلا يحتاج إلى ذكر معين سابقا؛ لأنه مذكور دائما حاضر في القلوب لَا يغيب عنها، و"الفاء"للإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر تقديره: إذا كانت حجتك الكبرى هذا القرآن العظيم، فإنما يسرناه بلسانك العربي، وسهلناه على كل عربي يقرؤه من غير عوج ولا عُجمة فيه ولا إبهام، لتبشر به المؤمنين الذين يدخل الإيمان قلوبهم؛ لأنهم يذعنون للحق إذا جاءهم، والناس أقسام ثلاثة:
القسم الأول: قسم آمن بالحق إذ جاءهم كأولئك الذين كانوا خلية الإيمان الأولى من أمثال أبي بكر وبلال وصهيب وزيد بن حارثة.
والقسم الثاني: قسم قلبُه منفتح للحق يجيب داعيه، ويحضر ناديه، وهؤلاء ومن سبقهم هم الذين يبشرهم القرآن بالجزاء الأوفى.