ثم يعقب على هذا الإنكار والاستكبار بقسم تهديدي. يقسم الله تعالى بنفسه وهو أعظم قسم وأجله ؛ أنهم سيحشرون بعد البعث فهذا أمر مفروغ منه:
{فوربك لنحشرنهم} .. ولن يكونوا وحدهم. فلنحشرنهم {والشياطين} فهم والشياطين سواء. والشياطين هم الذين يوسوسون بالإنكار ، وبينهما صلة التابع والمتبوع ، والقائد والمقود..
وهنا يرسم لهم صورة حسية وهم جاثون حول جهنم جثوّ الخزي والمهانة: {ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} .. وهي صورة رهيبة وهذه الجموع التي لا يحصيها العد محشورة محضرة إلى جهنم جاثية حولها ، تشهد هولها ويلفحها حرها ، وتنتظر في كل لحظة أن تؤخذ فتلقى فيها. وهم جاثون على ركبهم في ذلة وفزع..
وهو مشهد ذليل للمتجبرين المتكبرين ، يليه مشهد النزع والجذب لمن كانوا أشد عتواً وتجبراً:
{ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا} .. وفي اللفظ تشديد ، ليرسم بظله وجرسه صورة لهذا الانتزاع ؛ تتبعها صورة القذف في النار ، وهي الحركة التي يكملها الخيال!
وإن الله ليعلم من هم أولى بأن يصلوها ، فلا يؤخذ جزافاً من هذه الجموع التي لا تحصى. والتي أحصاها الله فرداً فرداً:
{ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً} .. فهم المختارون ليكونوا طليعة المقذوفين!
وإن المؤمنين ليشهدون العرض الرهيب: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً} فهم يردون فيدنون ويمرون بها وهي تتأجج وتتميز وتتلمظ ؛ ويرون العتاة ينزعون ويقذفون. {ثم ننجي الذين اتقوا} فتزحزح عنهم وينجون منها لا يكادون! {ونذر الظالمين فيها جثيا} ..
ومن هذا المشهد المفزع الذي يجثوا فيه العتاة جثو الخزي والمهانة ، ويروح فيه المتقون ناجين. ويبقى الظالمون فيه جاثين.. من هذا المشهد إلى مشهد في الدنيا يتعالى فيه الكفار على المؤمنين ، ويعيرونهم بفقرهم ، ويعتزون بثرائهم ومظاهرهم وقيمهم في عالم الفناء: