وقد انطوت الفقرة الأخيرة منها على تحريض قوي على صالح الأعمال بأسلوب مطلق، كأنما تهتف بالناس جميعهم أن كل شيء إلى زوال إلا العمل الصالح، فهو الباقي كل البقاء النافع كل النفع. وفي هذا ما فيه من نداء وتلقين مستمري المدى.
تعليق على جملة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ
ولقد روى المفسرون عن أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم أقوالا عديدة في مدى هذه الجملة. منها أنها في معنى الأعمال الصالحة وطاعة الله إطلاقا، ويدخل في ذلك الحج والصلاة والزكاة والجهاد إلخ. ومنها أنها في معنى الصلوات المكتوبة وحسب. ومنها أنها ذكر الله وتسبيحه وحمده. ورووا في صدد القول الأخير أحاديث عديدة منها الوارد في كتب الصحاح ومنها غير الوارد. فمن غير الوارد في هذه الكتب حديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «استكثروا من الباقيات الصّالحات. قيل وما هي يا رسول الله قال التّكبير والتّهليل والتّسبيح والحمد ولا قوّة إلّا بالله» ومنها حديث عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنّ قول لا إله إلّا الله والحمد لله وسبحان الله تحطّ الخطايا كما تحطّ ورق هذه الشّجرة الرّيح. خذهنّ يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهنّ. هنّ
الباقيات الصّالحات، وهنّ من كنوز الجنّة» ومما ورد في كتب الصحاح حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي قال «أكثر من قول لا حول ولا قوّة إلّا بالله فإنّها كنز من كنوز الجنّة» وننبه على أن الأحاديث الواردة في كتب الصحاح لا تذكر الصيغ التي وردت فيها أنها الباقيات الصالحات أو هي منها.
ومهما يكن من أمر فإن الأسلوب المطلق الذي جاءت به الجملة يسوّغ القول إنها تعني كل عمل صالح مع القول إن تسبيح الله وحده وتكبيره من جملة ذلك.