والمعنى: أي ويزيد الله الذين اهتدوا إلى الإيمان هدىً بما ينزل عليهم من الآيات عوضًا مما منعوا من زينة الدنيا، كرامةً لهم من ربهم، كما بسط للضالين فيها لهوانهم عليه.
ومجمل هذا: أن من كان في الضلالة من الفريقين .. يمهله الله، وينفس له في حياته، ليزداد في الإثم والغي، ويجمع له عذاب الدارين، ومن كان في الهداية منهما .. يزيد الله في هدايته، ويجمع له خيري السعادتين.
{وَالْبَاقِيَاتُ} ؛ أي: والأذكار التي يبقى ثوابها لصاحبها أبد الآباد والأعمال {الصَّالِحَاتُ} التي تبقى عائدتها أبدًا {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ} يا محمد {ثَوَابًا} ؛ أي: جزاءً مما يتمتع به الكفرة من النعم الفانية التي يفتخرون بها {وَخَيْرٌ مَرَدًّا} ؛ أي: مرجعًا وعاقبةً؛ لأن مآلها رضوان الله، والنعيم الدائم، ومآل هذه السخط والعذاب المقيم، والتفضيل: للتهكم بهم، للقطع بأن أعمال الكفار لا خير فيها أصلًا والمرد هنا: مصدر كالرد، والمعنى: خير ردًا للثواب على عامليها، فليست كأعمال الكفار التي خسروها. فبطلت، ذكره ابن الجوزي.
واعلم: أن الباقيات الصالحات هي أعمال الآخرة كلها، ومنها الكلمات الطيبة، قال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وأخذ عودًا يابسًا، وأزال الورق عنه ثم قال:"إن قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ليحط الخطايا كما يحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، فهن الباقيات الصالحات، وهي من كنوز الجنة".
والمعنى: أي والطاعات التي بها تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، وتصل إلى القرب من الله، وقيل رضوانه خير عند ربك منفعةً وعاقبةً مما متع به أولئك الكفرة من النعم الفانية، التي يفخرون بها من مالٍ وولدٍ وجاهٍ ومنافعَ تحصل منها، فإن عاقبة الأولين السعادة الأبدية، وعاقبة أولئك الحسرة الدائمة، والعذاب المقيم.
وخلاصة هذا: أن الطاعات التي يبقى ثوابها لأهلها، خير عند ربهم جزاءً وخير عاقبةً من مقامات هؤلاء المشركين بالله، وأنديتهم التي يفخرون بها على أهل الإيمان في الدنيا. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 17/ 180 - 217} ...