وشبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكرياء فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة قاله الزمخشري، وإلى هذا نظر ابن دريد.
فقال:
واشتعل المبيض في مسوده...
مثل اشتعال النار في جزل الغضا
وبعضهم أعرب {شيباً} مصدراً قال: لأن معنى {واشتعل الرأس} شاب فهو مصدر من المعنى.
وقيل: هو مصدر في موضع نصب على الحال، واشتعال الرأس استعارة المحسوس للمحسوس إذ المستعار منه النار والمستعار له الشيب، والجامع بينهما الانبساط والانتشار {ولم أكن} نفي فيما مضى أي ما كنت {بدعائك رب شقياً} بل كنت سعيداً موفقاً إذ كنت تجيب دعائي فأسعد بذلك، فعلى هذا الكاف مفعول.
وقيل: المعنى {بدعائك} إلى الإيمان {شقياً} بل كنت ممن أطاعك وعبدك مخلصاً.
فالكاف على هذا فاعل والأظهر الأول شكراً لله تعالى بما سلف إليه من إنعامه عليه، أي قد أحسنت إليّ فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن تجيبني آخر كما أجبتني أولاً.
وروي أن حاتماً الطائي أتاه طالب حاجة فقال: أنا أحسنت إليك وقت كذا، فقال حاتم: مرحباً بالذي توسل بنا إلينا وقضى حاجته.
{وإني خفت الموالي من ورائي} {الموالي} بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب.
قال الشاعر:
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا...
لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
وقال لبيد:
ومولى قد دفعت الضيم عنه...
وقد أمسى بمنزلة المضيم
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح {الموالي} هنا الكلالة خاف أن يرثوا ماله وأن يرثه الكلالة.