الثانية: هذا الحديث يدخل في التفسير المسند ؛ لقوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16] وعبارة عن قول زكريا: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} وتخصيص للعموم في ذلك ، وأن سليمان لم يرث من داود مالاً خلّفه داود بعده ؛ وإنما ورث منه الحكمة والعلم ، وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب ؛ هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض ، وإلا ما روي عن الحسن أنه قال:"يرثني"مالاً"ويرث من آل يعقوب"النبوّة والحكمة ؛ وكل قول يخالف قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فهو مدفوع مهجور ؛ قاله أبو عمر.
قال ابن عطية: والأكثر من المفسرين على أن زكريا إنما أراد وراثة المال ؛ ويحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنا معشر الأنبياء لا نورث"ألا يريد به العموم ، بل على أنه غالب أمرهم ؛ فتأمله.
والأظهر الأليق بزكريا عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين ، فتكون الوراثة مستعارة.
ألا ترى أنه لما طلب ولياً ولم يخصص ولداً بلّغه الله تعالى أمله على أكمل الوجوه.
وقال أبو صالح وغيره: قوله"من آل يعقوب"يريد العلم والنبوة.
الثالثة: قوله تعالى: {مِن وَرَآئِي} قرأ ابن كثير بالمدّ والهمز وفتح الياء.
وعنه أنه قرأ أيضاً مقصوراً مفتوح الياء مثل عصايَ.
الباقون بالهمز والمدّ وسكون الياء.
والقراء على قراءة"خِفت"مثل نِمت إلا ما ذكرنا عن عثمان.
وهي قراءة شاذة بعيدة جداً ؛ حتى زعم بعض العلماء أنها لا تجوز.
قال كيف يقول: خَفَّتِ الموالي مِن بعدِي أي من بعد موتي وهو حيّ؟!.
النحاس: والتأويل لها ألا يعني بقوله:"مِنْ وَرَائِي"أي من بعد موتي ، ولكن من ورائي في ذلك الوقت ؛ وهذا أيضاً بعيد يحتاج إلى دليل أنهم خفّوا في ذلك الوقت وقلّوا ، وقد أخبر الله تعالى بما يدل على الكثرة حين قالوا:"أيهم يكفل مريم".