كأنّه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما هلكت جنته بشؤم شركه، فتمنى أن لا يكون مشركًا، فلم يصبه ما أصابه حين لا ينفعه التّمني، ولمّا كانت رغبته في الإيمان لطلب الدنيا لم يكن قوله هذا توبة وتوحيدًا؛ لخلوه عن الإخلاص.
والمعنى: أي وأحاطت الجوائح بثمار جنته التي كان يقول فيها: {ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا} ، فأصبح يقلب كفّيه ندمًا، وأسفًا على ضياع نفقته الّتي أنفقها في عمارتها حين رآها ساقطة على عروشها، ويتمنى أن لم يكن قد أشرك بربه أحدًا.
والخلاصة: أنه لما أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وأعرض عن الدين، ثمّ ضاعت منه الدنيا حرم الدين والدنيا معا، ومن ثمّ عظمت حسرته، وقال: {لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}
43 - {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ} ، أي: لذلك الكافر {فِئَةٌ} ؛ أي: جماعة {يَنْصُرُونَهُ} ؛ أي: يقدرون على نصره بدفع الهلاك، أو على رد المهلك والإتيان بمثله {مِنْ دُونِ اللَّهِ} سبحانه وتعالى فإنه وحده القادر على نصره بذلك لا غير، لكنه لا ينصره لاستحقاقه الخذلان بكفره ومعاصيه، {وَما كانَ مُنْتَصِرًا} ؛ أي: ممتنعًا بقوته عن انتقامه سبحانه.
والمعنى: أي ولم تكن له عشيرة ممن افتخر بهم واستعز ينصرونه، ويقدرون على دفع الجوائح عنه، أو ردّ المهلك له من دون الله تعالى، فإنّ الله هو الذي يقدر وحده على نصره، وما كان منتصرًا بقوته عن انتقام الله منه بإهلاك جنته.
وخلاصته: أنه لا يقدر على نصره إلا الله، ولا ينصره غيره، من عشيرةٍ وولدٍ، وخدمٍ وحشمٍ، وأعوانٍ كما لا يقدر أن ينتصر لنفسه.
وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - ومجاهد، وابن وثاب، والأعمش، وطلحة، وأيوب، وخلف، وأبو عبيد، وابن سعدان، وابن عيسى الأصبهاني، وابن جرير: {ولم يكن} بالياء، لأنّ تأنيث الفئة مجاز، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، والحسن، وأبو جعفر، وشيبة {وَلَمْ تَكُنْ} بالتاء، وقرأ ابن أبي عبلة {فئة تنصره} على اللفظ.