هذه السورة المباركة - ككلّ سور القرآن - تتناسب مع ما قبلها وترتبط بها، كانت قبلها سورة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكان آخرها"هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ"، أول سورة الحجر"الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ"، إذاً"هَذَا بَلاغٌ"هو القرآن، هو الكتاب المبين، هو ذلك الدستور الذي أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم، واعلموا أنه كتابٌ محفوظٌ لا يفنى ولا يبلى، ولا يخلق على كثرة الرد، كتابٌ محفوظٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد، كتابٌ محفوظٌ لا تصل إليه يدٌ بتصحيفٍ ولا بتحريف، كتابٌ محفوظٌ في صدور النبلاء من المسلمين رجالاً ونساء، ومحفوظٌ في السطور والورق والكتب، في المصاحف، فإن ضاعت المصاحف أو حرِّفت فصدور الرجال لا تُحرَّف، وإن نسي الرجال وأهملوا حفظه فالصحف تحفظه، وإن ضيَّع الناس الاثنين فهو محفوظٌ عند الله تبارك وتعالى، فلن يضيع أبداً، دستوركم ثابت، دستوركم محفوظٌ مصان، وفي هذه السورة المباركة، في ثنايا آياتها، يقول المولى سبحانه وتعالى:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"، الذكر صراحةً هو القرآن، فهو اسمٌ من أسمائه، الذكر اسمٌ أجمع العلماء أنه أحد أسماء القرآن [12] ، ولكن السنة أيضاً شارحةٌ للقرآن، ومُنزَّلة من عند الرحمن فهي الأخرى محفوظةٌ بحفظ القرآن"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ"القرآن وما يتبعه، القرآن وما يلاصقه، القرآن وما يلزمه، من سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم [13] ، ولذلك نجد السنة على طول عمر الأمة محفوظة حفظاً شديداً لم تر الدنيا مثله، فقد انتقلت إلينا بالإسناد، يسلمها رجلٌ لرجل، رجلٌ لرجل، فيقول الأخير: حدثنا فلانٌ، قال: سمعت فلان، قال: أخبرنا فلان، قال: أنبأنا فلان .. عن الصحابي الجليل فلان رضي الله عنهم جميعًا، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام من العلماء من استوثقوا بالحقائق التاريخية الواقعية أن هذا الشيخ التقى بهذا التلميذ، وعاش في زمانه بما يُمكِّنه من أن