(إن الشرك بالله - المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله - يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لا تكون فيها الدينونة في كل شأن من شئون الحياة خالصة لله وحده، ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله. حتى تتحقق صورة الشرك حقيقة وتقديم الشعائر ليس إلا صورة واحدة من صور الدينونة الكثيرة، والأمثلة الحاضرة في حياة البشر اليوم تعطينا المثال الواقعي للشرك في أعماق طبيعته. إن العبد الذي لا يتوجه لله بالاعتقاد في ألوهيته وحده ثم يدين لله في الوضوء والطهارة والصلاة والصوم والحج وسائر الشعائر بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لشرائع من عند غير الله، ويدين في قيمه وموازينه الاجتماعية لتصورات واصطلاحات من صنع غير الله. ويدين في أخلاقه وتقاليده وعاداته وأزيائه لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والعادات والتقاليد والأزياء - مخالفة لشرع الله وأمره - إن هذا العبد يزاول الشرك(الخفي أو الجلي) في أخص حقيقته ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في أخص حقيقتها هذا ما يغفل عنه الناس اليوم فيزاولونه في ترخيص وتميع، وهم لا يحسبونه
الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان.
والأصنام .. ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصورة الأولية الساذجة ..
فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت، يتحفى وراءها لتبعيد الناس باسمها - وضمان دينونتهم له من خلالها
إن الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر .. إنما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها يتمتم حولها بالتعاويذ والرقى .. ثم ينطق باسمها بما يريد هو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها
فاذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق باسمها الحكام والكهان ويقررون باسمها ما لم يأذن به الله من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال ... فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها!