وإنما كانت أنصاب الحجارة لكل قوم قالوا: البيت حجر فحينما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت فكانوا يدورون بذلك الحجر ، أي: يطوفون به أسابيع تشبيهاً بالكعبة ، ويسمونه الدوّار بضم الدال مشدّدة ، وقد تفتح ، قال الجوهري: دوّار بالضم صنم وقد تفتح فاستحب أن يقال طاف بالبيت ، ولا يقال دار بالبيت. قال الرازي: وهذا الجواب ليس بقوي ؛ لأنه عليه السلام لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله ، والحجر كالصنم في ذلك. ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم أنه قال:
{رب إنهن} ، أي: الأصنام {أضللن كثيراً من الناس} بعبادتهم لها.
تنبيه: اتفق كل الفرق على أن قوله: أضللن مجاز ؛ لأنها جمادات ، والجماد لايفعل شيئاً البتة إلا أنه لما حصل عند عبادتها أضيف إليها كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرّتهم ، أي: افتتنوا بها واغتروا بسببها ثم قال: {فمن تبعني} ، أي: على التوحيد {فإنه مني} ، أي: فإنه جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه وقربه مني {ومن عصاني} ، أي: في غير الدين {فإنك غفور رحيم} وهذا صريح في طلب الرحمة والمغفرة لأولئك العصاة ، وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثبت حصولها في حق محمد صلى الله عليه وسلم لأنه مأمور بالإقتداء به كما قال تعالى: {واتبع ملة إبراهيم} (النساء ،)
وقيل: إنّ هذا الدعاء كان قبل أن يعلم إبراهيم أنّ الله لايغفر الشرك ، وقيل: إنك قادر أن تغفر له وترحمه بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام ، وقيل: المراد من هذه المغفرة أن لا يعاجلهم بالعقاب ، فلا يمهلهم حتى يتوبوا ، قال الرازي: واعلم أنّ هذه الأوجه ضعيفة ، وارتضى ما تقرّر أولاً.