أجيب: بأن الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل الطبع ورغبة النفس ، والآية الدالة على حصول المخالة محمولة على حصول المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبة الله تعالى. ولما طال الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، وكانت العمدة العظمى والمنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته ، وفي حصول الشقاوة فقدان ذلك ختم تعالى أحوال الفريقين بقوله تعالى:
{الله} ، أي: الملك الأعلى المحيط بكل شيء ، ثم اتبعه بالدلائل الدالة على وجوده وكمال علمه وقدرته ، وذكر هنا عشرة أنواع من الدلائل: أوّلها: قوله تعالى: {الذي خلق السماوات} وثانيها: قوله تعالى: {والأرض} وهما أكبر خلقاً منكم وأعظم شأناً. وثالثها قوله تعالى: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم} تعيشون به وهو يشمل المطعوم والملبوس.
تنبيه: الله مبتدأ ، وخبره الذي خلق ، ورزقاً مفعول لأخرج ، ومن الثمرات بيان له حال منه ، ويصح أن يكون المراد بالسماء هنا السحاب اشتقاقاً من السمو والارتفاع ، وأن يكون الجرم المعهود فينزل من السماء إلى السحاب ، ومن السحاب إلى الأرض ، وقد ذكرت ذلك في سورة البقرة ، وفي غيرها ، ورابعها قوله تعالى: {وسخر لكم الفلك} ، أي: السفن {لتجري في البحر} ، أي: بالركوب والحمل {بأمره} ، أي: بمشيئته وإرادته ، وخامسها: قوله تعالى: {وسخر لكم الأنهار} ، أي: ذللها لكم تجرونها حيث شئتم ؛ لأنّ ماء البحر لا ينتفع به في سقي الزروع والثمرات ولا في الشراب فكان ذلك نعمة من الله تعالى ، وسادسها وسابعها: قوله تعالى: