الَّذينَ كفروا) الآية. فيكون قَوْلُه تَعَالَى: (وقد مكروا) الآية
حالًا من المقول المقدر أي فيقال لهم ما يقال والحال أنهم فعلوا ما فعلوا ولم يك ينفعهم
الآيات والنذر، ولكونه خلاف الظَّاهر لم يتعرض له الْمُصَنّف.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ(47)
قوله: (مثل قَوْلُه تَعَالَى:(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) ،([كَتَبَ اللَّهُ
لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)] بيان وعده رسله.
قوله: (وأصله مخلف رسله وعده فقدم الْمَفْعُول الثاني) أي في وعده، وإنَّمَا كان هذا
أصله؛ إذ الخلف والكذب وكذا الصدق للشخص الموعود حَقيقَة وقد يوصف به الوعد
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: مثل قوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) فهو قرينة عَلَى أن الْمُرَاد بالوعد هاهنا
الوعد بالنصر المدلول عليه بقوله. (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) .
قوله: وأصله مخلف رسله وعده. أي الأصل أن يقدم الْمَفْعُول الأول عَلَى الثاني لكن عكس
وقدم الثاني عَلَى الأول إيذانًا بأنه تَعَالَى لا يخلف الوعد أصلًا. وقال صاحب الانتصاف: وفيه نظر
لأن الْفعْل إذا تقيد بمَفْعُول انقطع إطلاقه فليس تقديم الوعد إلا للدلالة عَلَى إطلاق الْفعْل حتى
يكون ذكر الرسل ثانيًا كالأجنبي ولا فرق بين تقديم الْفعْل وتأخيره بل فيه الإيذان بعناية المتكلم
وهذه الآية سيقت لتهديد الظَّالمينَ بما وعدهم الله تَعَالَى عَلَى ألسنة الرسل فلا يقف التخويف عليه.
وقال صاحب الإنصاف: هذا السؤال قوي، وإنَّمَا الذي ذكر هَاهُنَا من أن تقديم الوعد للدلالة عَلَى أنه
تَعَالَى لا يخلف الوعد أصلًا هُوَ القاعدة عند علماء البيان. قَالَ الجرجاني مثل ذلك في قَوْله تَعَالَى:
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) إنما قدم شركاء للإيذان بأنه لا يَنْبَغي أن يتخذ الشركاء
لله مُطْلَقًا ثم ذكر الجن بعد ذلك تحقيرا لهم أي إذا لم يتخذ من غير الجن فالجن أحق أن لا
يُتخذوا شركاء وإن كان السؤال متوجهًا عَلَى هذا أَيْضًا. وأقول: يمكن أن يجاب عن سؤال صاحب
الانتصاف بأن يُقال الْفعْل الذي الحصر مَفْعُوله في شيء واحد فتقيده به بحسب ظَاهر اللَّفْظ لا
ينافي إطلاقه وفعل الإخْلَاف من ذلك القبيل فإن الوعد متعين لأن يكون مَفْعُوله لا غير فـ [حِينَئِذٍ] لا فرق
بين ذكر مَفْعُوله وحذفه في الدلالة عَلَى الإطلاق فإنه لا فرق بين قولك: هُوَ لا يخلف أي لا يفعل
الخلف. وبين قولنا: لا يخلف وعده. في أن الْمُرَاد نفي الخلف في الوعد في كليهما فحين قدم
مَفْعُوله الثاني للاهتمام له وجعل الْمَفْعُول الأول لتأخيره كالساقط يستفاد منه الفَائدَة التي ذكرها
العلماء بخلاف فعل يحتمل أن يتعلق بأمور متعددة فإذًا ذكر أحد مفاعيله يقيده ويجعله خاصًا بذلك
الْمَذْكُور فيخرجه التَّقْييد بواحد منها عن إطلاقه مثل فلان يعطي الدراهم فلا بد في دلالته عَلَى
الإطلاق والعموم أن لا يذكر معه مَفْعُول من مفاعيله ويقال فلان يعطى أي يفعل الإعطاء فيفهم منه
أنه يعطى جميع العطايا. وصاحب الانتصاف لم يفرق بين متعد ومتعد، فأشكل عليه الأمر عَلَى أن
الفَائدَة التي ذكرها العلماء ليست مفادة من جعل الفعيل بمنزلة اللازم بحذف الْمَفْعُول بل المفيد لها
تقديم ما حقه التأخير اهتمامًا له والعجب من صاحب الإنصاف أنه سلم ورود الإشكال بل قال إن
الإشكال قوي، ويعضد ما ذكرنا من أن الفَائدَة مُسْتَفَادة من تقديم ما حقه التأخير أن سيبَوَيْه قال:
يقدمون المهم وما هم ببيانه أعني فإذا قدم الْمَفْعُول الثاني عَلَى الأول وقع الْكَلَام فيه أصالة ويكون
الْمَفْعُول الأول تبعًا له لا أن الْفعْل يصير مُطْلَقًا كما توهم.