والثاني: يذكر سلطانه وقدرته؛ حيث سخر هذه الأشياء؛ مع شدتها، وصلابتها، وغلظها، وأهوالها. ومن قدر على تسخير ما ذكر - قادر على البعث والإحياء بعد الموت.
ويحتمل ما ذكر؛ من تسخير الأشياء التي ذكر: أنه أنشأ هذه الأشياء مسخرة مذللة لنا، والثاني: سخر لنا؛ أي: علَّمنا من الأسباب والحيل التي يتهيّأ لنا الانتفاع بها والتسخير.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ...(34)
فيه لغتان وتأويلان قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلٍّ) ؛ على التنوين؛ (مَا سَأَلْتُمُوهُ) على الجحد؛ أي: آتاكم من غير أن سألتم الأشياء التي ذكر أنه سخرها لنا؛ أي: آتاكم من غير سؤال ولا طلبة.
والثاني: وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه؛ لأنه أعطانا أشياء قبل أن نعلم أنه يجب أن نساله؛ حيث خلق هذه الأشياء التي ذكر من قبل أن يخلقنا.
وقال الحسن: (مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) ؛ قال: ما لم تسألوه؛ وهو ما ذكرناه؛ فإن قيل: إنا نسال أشياء لم نعطها، فما معنى الآية؟
قيل بوجوه:
أحدها: ذكر حرف التبعيض؛ وهو ما قال: (مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) . والثاني: وآتاكم علم منافع ما سألتموه قبل أن تسألوا؛ وجهه علم الانتفاع به.
والثالث: وآتاكم من كل ما يحق السؤال ويليق به.
على هذه الوجوه تخرج الآية. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: لا تحصوها؛ أي: لا تشكروها؛ أي: لا تقدروا شكرها. وقال بعضهم: أي: لا تقدروا إحصاءها وعدها، وهكذا إن أقل الناس نعمة لو تكلف إحصاء ما أعطاه ما قدر عليه؛ من حسن الجوهر والصورة، واستقامة التركيب والبنية، وسلامة الجوارح، وغير ذلك مما لا سبيل له إلى ذكرها وإحصائها؛ إلا بعد طول التفكر والنظر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ) : لا تحيطوا بكنهها ونهايتها.