وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: مَعْنَاهُ: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ لَوْ سَأَلْتُمُوهُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ سُؤْلِكُمْ، وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ لِلرَّجُلِ لَمْ يَسْأَلْكَ شَيْئًا: وَاللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ سُؤْلَكَ مَا بَلَغْتَ مَسْأَلَتُكَ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ؟.
فَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ الَّذِي سَأَلْتُمُوهُ وَالَّذِي لَمْ تَسْأَلُوهُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلٍّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) بِتَنْوِينِ «كُلِّ» وَتَرْكِ إِضَافَتِهَا إِلَى «مَا» بِمَعْنَى: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ تَسْأَلُوهُ وَلَمْ تَطْلُبُوهُ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِبَادَ لَمْ يَسْأَلُوهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَخَلَقَ ذَلِكَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلُوهُ
عَنِ الضَّحَّاكِ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: {مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} وَيُفَسِّرُهُ:"أَعْطَاكُمْ أَشْيَاءَ مَا سَأَلْتُمُوهَا وَلَمْ تَلْتَمِسُوهَا، وَلَكِنْ أَعْطَيْتُكُمْ بِرَحْمَتِي وَسَعَتِي قَالَ الضَّحَّاكُ: فَكَمْ مِنْ شَيْءٍ أَعْطَانَا اللَّهُ مَا سَأَلْنَا وَلَا طَلَبْنَاهُ"
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَذَلِكَ إِضَافَةُ «كُلِّ» إِلَى «مَا» بِمَعْنَى: وَآتَاكُمْ مِنْ سُؤْلِكُمْ شَيْئًا، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا، وَرَفْضِهِمُ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنْ تَعُدُّوا أَيُّهَا النَّاسُ نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ لَا تُطِيقُوا إِحْصَاءَ عَدَدِهَا، وَالْقِيَامَ بِشُكْرِهَا، إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ لَكُمْ عَلَيْهَا {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}