الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} وَفَعَلَ الْأَفْعَالَ الَّتِي وَصَفَ {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} يَتَعَاقَبَانِ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِصَلِاحِ أَنْفُسِكُمْ وَمَعَاشِكُمْ {دَائِبَيْنِ} فِي اخْتِلَافِهِمَا عَلَيْكُمْ،
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُمَا دَائِبَانِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} يَخْتَلِفَانِ عَلَيْكُمْ بِاعْتِقَابٍ، إِذَا ذَهَبَ هَذَا جَاءَ هَذَا بِمَنَافِعِكُمْ وَصَلَاحِ أَسْبَابِكُمْ، فَهَذَا لَكُمْ لِتَصَرُّفِكُمْ فِيهِ لِمَعَاشِكُمْ، وَهَذَا لَكُمْ لِلسَّكَنِ تَسْكُنُونَ فِيهِ، وَرَحْمَةً مِنْهُ بِكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَعْطَاكُمْ مَعَ إِنْعَامِهِ عَلَيْكُمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ تَسْخِيرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي سَخَّرَهَا لَكُمْ وَالرِّزْقَ الَّذِي رَزَقَكُمْ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَغُرُوسِهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَأَلْتُمُوهُ وَرَغِبْتُمْ إِلَيْهِ شَيْئًا وَحَذَفَ الشَّيْءَ الثَّانِي اكْتِفَاءً بِمَا الَّتِي أُضِيفَتْ إِلَيْهَا «كُلِّ» ، وَإِنَّمَا جَازَ حَذْفُهُ، لِأَنَّ «مِنْ» تُبَعِّضُ مَا بَعْدَهَا، فَكَفَّتْ بِدَلَالَتِهَا عَلَى التَّبْعِيضِ مِنَ الْمَفْعُولِ، فَلِذَلِكَ جَازَ حَذْفُهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}
يَعْنِي بِهِ: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي زَمَانِهَا شَيْئًا،
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا قِيلَ عَلَى التَّكْثِيرِ، نَحْوَ قَوْلِ الْقَائِلِ: فُلَانٌ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَتَاهُ كُلُّ النَّاسِ، وَهُوَ يَعْنِي بَعْضَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} وَقِيلَ أَيْضًا: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ سَأَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَقِيلَ: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أَيْ قَدْ أَتَى بَعْضَكُمْ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَتَى آخَرَ شَيْئًا مِمَّا قَدْ سَأَلَهُ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ.