{وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ}
وحين نقارن الكلمة الخبيثة بالكلمة الطيبة سنكتشف الفارق الشاسع ؛ فالكلمة الخبيثة مُجْتثَّة من فوق الأرض ؛ والجُثَّة كما نعلم هي الجسد الذي خرجتْ منه الروح ، ومن بعد أن يصبح جُثة يصير رِمَّة ؛ ثم يتحلَّل إلى عناصره الأولى .
إذن: فالاجتثاث هو استئصالُ الشيء من أصله وقَلْعه من جذوره ، أما المقابل في الشجرة الطيبة فأصلها ثابت لا تُخلخله ظروف أو أحداث ، والكلمة الخبيثة بلا جذور لأنها مُجْتثّة ؛ وليس لها قَرار تستقر فيه .
وحين تكلَّم المُفسِّرون عن الشجرة الطيبة منهم مَنْ قال إنها النخلة لأن كُلَّ ما فيها خير ؛ فورقها لا يسقط ، ويبقى دائماً كَظِلٍّ وكل ما فيها يُنتفعَ به .
فنحن - على سبيل المثال - نأخذ جذع النخلة ونصنع منه أعمدة في بيوت الرِّيف ، وجريد النخل نصنع منه الكراسي ؛ والليف الموجود بين الأفرع نأخذه لنصنع منه الحبال ؛ والخوص نصنع منه القُفف .
والذين حاولوا أن يُفسِّروا"الشجرة الخبيثة"بأنها شجرة الحَنْظل ، أو شجرة التين ، أو شجرة الكُرَّات ؛ لكل هؤلاء أقول: لقد خلقها الحق سبحانه لتكون شجرة طيبة في ظروف احتياجنا لها ؛ لأنك حين تنظر إلى الكون ستجد أن مِزَاجه مُتنوِّع ؛ ومُقوِّمات الحياة ليستْ هي الأكل والشرب فقط ؛ بل هناك توازن بيئيّ قد صمّمه الحق تعالى ، وهو الأعلم مِنّا جميعاً بما خلق ؛ ولم يخلق إلا طَيّباً .
وكل شيء في الكون له عطاء مستمر يُشع في الجو ، والمَثَل هو تساقط أوراق الشجر التي تُعيد الخِصْب مرة أخرى إلى الأرض . وكلها أمور يُبديها الحق سبحانه ولا يبتديها ، أي: يُظهرها بعد أنْ كانت موجودة أَزلاً ومَخفية عَنَّا .
وهو جَلَّ وعلاَ يرفع قوماً ويَخفِض قوماً ؛ وهو القائل عن ذاته: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] .