إذَا أرادَ الله نَشْرَ فَضِيلَة ... طُوِيَتْ أتاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُود
لَوْلاَ اشتعالُ النَّار فيمَا جَاورَتْ ... مَا كَان يُعْرَف طيِبُ عَرْفِ العوُدِ
أي: أنه إذا كانت هناك فضيلة مكتومة نسيها الناس ؛ فالحقُّ سبحانه يتيح لها لسانَ حاسدٍ حاقد لِيثُرثر ويُنقِّب ؛ لتظهر وتنجلي ؛ مثلما يُوضَعُ خشب العود - وهو من أَرْقَى ألوان البخور - في النار ، فينتشر عِطْره بين الناس .
وهكذا ضرب الشاعر المَثَل لِيُوضِّح أمراً ما للقارئ أو السامع .
ويقول الشاعر ضارباً المَثل أيضاً:
وإذَا امْرؤٌ مدحَ امْرءاً لِنَوالِه ... وأَطَالَ فِيه فقدْ أطَالَ هِجَاءَهُ
لَوْ لَمْ يُقدِّر فيه بُعْد المُسْتقَى ... عند الوُرودِ لَمَا أطالَ رِشَاءَهُ
والمقاييس العادية تقول: إن المرء حين يمدح أحداً لفترة طويلة ، فهذا يعني الرِّفْعة والمجد للممدوح . ولكن حين يقرأ أحدٌ قول هذا الشاعر قد يتعجَّب ويندهش ، ولكنه يتوقف عند قول الشاعر أن الماء لو كان قريباً في البئر ؛ لأخرجه العطشان بدلو مربوط بحبل قصير ؛ ولكن إنْ كان الماء على بُعْد مسافة في البئر فهذا يقتضي حبلاً طويلاً لينزل الدلو إلى الماء .
وهذا يعني أن طول المدح إنما يُعبِّر عن فظاظة الممدوح الذي لا يستجيب إلا بالثناء الطويل ؛ ولو كان الممدوح كريماً حقاً لاكتفى بكلمة أو كلمتين في مدحه .
وهكذا يكون ضَرْبُ المثل توضيحاً وتقريباً للذهن .
وهنا قال الحق سبحانه:
{وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25] .
والتذكر معناه أن شيئاً كان معلوماً بالفطرة ؛ ولكن الغفلة طرأتْ ؛ فيأتي المَثَلُ ليُذكِّر بالأمر الفطريّ .
وبعد أن ضرب الحق سبحانه المثل بالكلمة الطيبة بياناً لحال أهل القُرْب من الله والود معه واتباع منهجه ، أراد انْ يذكُرَ لنا المقابل ، وهو حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الله ، وعن منهجه ، فيقول سبحانه وتعالى: