وحين تبحث في الصورة الكلية لتلك الأبيات من الشعر ؛ لن تجدها موجودة في الواقع ؛ ولكن الشاعر أوجدها من مُكوِّنات ومُفْردات موجودة في الواقع ؛ فالسمك موجود ومعروف ؛ والبِلَّور موجود ومعروف ؛ وكذلك الشَّبك والزبرجد ، وقام الشاعر بنسج تلك الصورة غير الموجودة من أشياء موجودة بالفعل ، وهذا هو الخيال الذي يُقرِّب المعنى .
والتوهمُّ يختلف عن الخيال ؛ فإذا كان التخيُّل هو تكوين صورة غير موجودة في الواقع من مفردات موجودة في هذا الواقع ؛ فالتوهُّم هو صورة غير موجودة في الواقع ، ومُكوَّن من مفردات غير موجودة في الواقع .
والحق سبحانه يقول لنا عن الجنة: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين ...} [الزخرف: 71] .
ويشرح الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بمذكرة تفسيرية ، فيقول:"فيها مَا لا عَيْنٌ رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خَطَر على قَلْب بشر".
والعَيْن وسيلة إدراك وحسٍّ ؛ وكذلك الأذن ، أما ما لا يخطر على القلب فهو ليشرحه الخيال أوَ الوَهْم .
وهكذا نعلم لماذا يضرب الله لنا الأمثال ؛ لِيُوجِز لنا ما يشرح ويُوضِّح بأشياء قريبة من الفهم البشري .
وأنت حين تريد أن تكتب لصديق ؛ فقد تُمسك الورقة والقلم وتُدبِّج رسالة طويلة ؛ ولكن إنْ كنتَ تملك وقتك فستحاول أن تُركِّز كل المعاني في كلمات قليلة .
وكلنا يذكر ما كتبه سعد زغلول زعيم ثورة 1919 المصرية لواحد من أصدقائه بعد أن سطَّر له رسالة في خمس صفحات ؛ وأنهاها:"إني أعتذر عن الإطالة في الخطاب ، فلم يكُنْ عندي وقت للإيجاز"وذلك لأن مَنْ يُوجِز إنما يضع معاني كثيرة في كلمات قليلة .
وحين طلب أحد القادة المسلمين النُّصْرة من خالد بن الوليد ؛ وكان القائد الذي يطلب المساعدة مُحَاصَراً ؛ وأرسل لخالد بن الوليد كلمتين اثنتين"إياك أريد"، وهكذا اختصر القائد المحاصر ما يرغب إيصاله إلى مَنْ ينجده ، بإيجاز شديد .
والشاعر يقول: