والحق سبحانه يضرب لنا المَثل للحياة الدنيا ، وهي الحياة التي من لَدُن خَلْق الله للإنسان ؛ ذلك أنه كانت هناك أجناسٌ قبل الإنسان ، وهو سبحانه هنا يُوضِّح لنا بالمثَل ما يخص الحياة من لحظة خَلْق آدم إلى أنْ تقومَ الساعة ، وهو يطويها - تلك الحياة الطويلة العريضة التي تستغرق أعمال أجيالٍ - ويعطيها لنا في صورة مَثَلٍ موجز ، فيقول لنا: {واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً} [الكهف: 45] .
وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة كلها في هذا المثل من ماء ينزل ونبات ينمو لينضج ثم تذروه الرياح .
وأيضاً يقول الحق سبحانه: {اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً . .} [الحديد: 20] .
وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة الدنيا بطُولها وعَرْضها في هذا المَثل البسيط لنرى ما يُوضِّح لنا المعاني الخفية في صورة مُحسَّة بحيث يستطيع العقل الفطري أن يُدرِك ما يريده الله منها .
ونعلم أن المُحسَّات تدرك أولاً بعض الأشياء ؛ ثم ترتقي إلى مرتبة التخيُّل ؛ ثم يأتي التوهُّم ؛ فمراحل الإدراك للأشياء الخفية هي الحِس أولاً ؛ ثم التخيل ثانياً ؛ ثم التوهم ثالثاً .
والتخيُّل هو أن تجمع صورة كلية ليس لها وجود في الخارج ؛ وإنْ كانت مُكوَّنة من مادة وأشياء موجودة في هذا الخارج . والمَثل على ذلك هو قول الشاعر الذي أراد أنْ يصف الوَشْم على يد حبيبته ، فقال:
خوض كأنَّ بَنانَها ... في نَقْشهِ الوَشْم المُزرد
سَمكٌ من البِلَّور في ... شَبَكٍ تكوَّن من زَبرجَدِ