وعليه يكون قوله تعالى:"مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ"مبتدأ، خبره جملة:"أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ"من المشبه، والمشبه به. وهذا من أحسن ما قيل في إعراب هذه الآية الكريمة.
وأما الفرق الثاني بين الآيتين فإن المراد بقوله تعالى:"وَالَّذِينَ كَفَرُواْ"- في آية النور - العموم، ويندرج في عمومه كل من كفر من الأمم السابقة، والأمم اللاحقة إلى يوم يبعثون. أما قوله تعالى:"الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ"- في آية إبراهيم - فالمراد بهم الكفار من الأمم السابقة؛ ولهذا جاء ذكرهم مقيدًا بقوله تعالى:"بِرَبِّهِمْ"، تمييزًا لهم من غيرهم. فأولئك مثل لهؤلاء، وقد ورد ذكر بعضهم في سورة إبراهبم قبل هذه الآية على لسان موسى - عليه السلام - وذلك في معرض خطابه لقومه، يخوفهم بمثل هلاك من تقدمهم من الأمم المكذبة:
"أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ" (إبراهيم:8 - 9)
وبعد أن حكى الله تعالى عن الرسل - عليهم السلام - اكتفاءهم في دفع شرور هؤلاء الكفار بالتوكل على ربهم، والاعتماد على حفظه ورعايته، حكى سبحانه وتعالى عن بعض المتمردين في الكفر أنهم بالغوا في السفاهة، فكان مصيرهم الهلاك في الدنيا، ونار جهنم في الآخرة؛ وذلك قوله تعالى: