وفسر بعضهم القطع من الليل بطائفة من ظلمته ، وعن الحبر أيضاً تفسيره بنفس السواد ، ولعله من باب المساهة {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} أي لا يتخلف كما روي عن ابن عباس ، أو لا ينظر إلى ورائه كما روي عن قتادة ، قيل: وهذا هو المعنى المشهور الحقيق للالتفات ، وأما الأول فلأنه يقال: لفته عن الأمر إذا صرفته عنه فالتفت أي انصرف ، والتخلف انصراف عن المسير ، قال تعالى: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاؤُنَا} [يونس: 78] أي تصرفنا كذا قال الراغب.
وفي الأساس أنه معنى مجازي ، والنهي في اللفظ لأحد ، وفي المعنى للوط عليه السلام على ما نقل عن المبرد ، وهذا كما تقول لخادمك: لا يقم أحد في أن النهي في الظاهر لأحد ، وهو في الحقيقة للخادم أن لا يدع أحداً يقوم ، فالمعنى هنا فأسر بأهلك ولا تدع أحداً منهم يلتفت ؛ ولا يخفى أنه على هذا تتم المناسبة بين المعطوف عليه والمعطوف لأن الأول لأمره عليه السلام.
والثاني لنهيه ، ويعلم من هذا أن ضمير {مّنكُمْ} للأهل.
وقد صرح بذلك شهاب فلك الفضل الخفاجي ، فقال: وههنا لطيفة وهو أن المتأخرين من أهل البديع اخترعوا نوعاً من البديع سموه تسمية النوع ، وهو أن يؤتى بشيء من البديع ويذكر اسمه على سبيل التورية كقوله في البديعية في الاستخدام:
واستخدموا العين مني فهي جارية...
وكم سمحت بها في يوم بينهم
وتبجحوا باختراعه ، وأنا بمنّ الله تعالى أقول: إنه وقع في القرآن في هذه الآية لأن قوله سبحانه: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} الخ وقع فيه ضمير {مّنكُمْ} للأهل فقوله جل وعلا: {لا يَلْتَفِتْ} من تسمية النوع وهذا من بديع النكات انتهى ، وسر النهي عن الالتفات بمعنى التخلف ظاهر ، وأما سره إذا كان بمعنى النظر إلى وراء فهو أن يجدوا في السير فإن من يلتفت إلى ورائه لا يخلو عن أدنى وقفة أو أن لا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم.