ثم لما كانت هذه الأحوال النفسانية الباطنة ربما ساقت الإنسان إلى أحد جانبي الافراط والتفريط كان من الواجب على الإنسان أن يقوم من الدفع على ما ينبغى وهو فضيلة الشجاعة كما أن من الواجب عليه أن يبادر من الجلب إلى ما ينبغى على ما ينبغى، وهو فضيلة العفة وهما حدا الاعتدال بين الافراط والتفريط، وأما انتفاء التأثر بأن يلقى الإنسان بنفسه إلى التهلكة الصريحة في باب الدفع وهو التهور، أولا تنزع نفسه إلى شيء مطلوب قط في باب الجلب والشهوة وهو الخمول وكذا بلوغ التأثر من القوة إلى حيث ينسى الإنسان نفسه ويذهل عن واجب رأيه وتدبيره فيجزع عن كل شبح يتراآى له في باب الدفع وهو الجبن أو ينكب على كل ما تهواه نفسه وتشتهيه كالبهيمة على عليقها في باب الشهوة وهو الشره فجميع هذه من الرذائل.
والذي آثر الله سبحانه به أنبياءه من العصمة إنما يثبت في نفوسهم فضيلة الشجاعة دون التهور، وليست الشجاعة تقابل الخوف الذي هو مطلق التأثر عن مشاهدة المكروه، وهو الذي يدعو النفس إلى القيام بواجب الدفع، وإنما تقابل الجبن الذي هو بلوغ التأثر النفساني إلى حيث يبطل الرأي والتدبير ويستتبع العى والانهزام.
قال تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) الأحزاب: 39، وقال مخاطبا لموسى عليه السلام: (لا تخف إنك أنت الأعلى) طه: 68، وقال حكاية عن قول شعيب له عليهما السلام:(لا تخف نجوت من القوم
الظالمين)القصص: 25، وقال مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) الأنفال: 58.