والبشرى التي جاءت بها الرسل إبراهيم عليه السلام لم يذكر بلفظها في القصة، والتي ذكرت فيها منها هي البشارة لامرأته، وإنما ذكرت بشارة إبراهيم نفسه في غير هذا المورد كسورتي الحجر والذاريات، ولم يصرح فيهما باسم من بشر به إبراهيم أهو إسحاق أم إسماعيل عليهم السلام أو أنهم بشروه بكليهما؟ وظاهر سياق القصة في هذه السورة أنها البشارة بإسحاق، وسيأتي البحث المستوفى عن ذلك في آخر القصة.
وقوله: (قالوا سلاما قال سلام) أي تسالموا هم وإبراهيم فقالوا: سلاما أي سلمنا عليك سلاما، وقال إبراهيم: سلام أي عليكم سلام.
والسلام الواقع في تحية إبراهيم عليه السلام نكرة ووقوعه نكرة في مقام التحية دليل على ان المراد به الجنس أو أن له وصفا محذوفا للتفخيم ومزيد التكريم والتقدير: عليكم سلام زاك طيب أو ما في معناه، ولذا ذكر بعض المفسرين: ان رفع السلام أبلغ من نصبه فقد حياهم بأحسن تحيتهم فبالغ في إكرامهم ظنا منه أنهم ضيف.
وقوله: (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) أي ما أبطأ في أن قدم إليهم عجلا مشويا يقطر ماء وسمنا وأسرع في ذلك.
قوله تعالى: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة) عدم وصول أيديهم إليه كناية عن أنهم ما كانوا يمدون أيديهم إلى الطعام، وذلك أمارة العداوة وإضمار الشر، ونكرهم وأنكرهم بمعنى واحد وإنما كان أنكرهم لإنكاره ما شاهد منهم من فعل غير معهود.
والايجاس الخطور القلبى، قال الراغب: الوجس الصوت الخفى، والتوجس التسمع، والايجاس وجود ذلك النفس قال: وأوجس منهم خيفة، والواجس قالوا: هو حالة تحصل من النفس بعد الهاجس لأن الهاجس مبتدأ التفكير ثم يكون الواجس الخاطر. انتهى.