قال الرَّاغب يقال وراء زيد لمن خلفه نحو قوله: (من وراء إسحاق يَعْقُوب) .
فمن فسره بهذا أراد أنه يخلفه ومن جهته، وإلا لم يكن وراءه فهو مجاز ظَاهر فلا يرد عليه
إشكال الإمام بأنه تعسف لا دلالة للفظ عليه وهو معنى قول الْمُصَنّف وفيه نظر وإن أراد أن
الوراء مُطْلَقًا بمعنى ولد الولد فاللغة تأباه كذا قيل. والظَّاهر أن الْمُرَاد الثاني وفي الكَشَّاف وعن
الشعبي أنه قيل له: أهذا ابنك؟ قال نعم من الوراء وكان ولد ولده انتهى. قوله فاللغة تأباه مشكل
إذ اسْتعْمَال العرب متحقق كما هُوَ الظَّاهر من قول الشعبي مع أن الاستقراء التام غير موجود
والاستقراء الناقص غير مفيد. نعم قول الْمُصَنّف ولعله سمي به الخ. يميل إلَى مجازيته.
قوله: (وعلى هذا تكون إضَافَته إلَى إسحاق ليس من حيث إن يَعْقُوب وراءه) لأنه
ليس ولد ولد إسحاق بل ولده.
قوله: (بل من حيث إنه وراء إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ من جهته وفيه نظر) أي من جهة
إسحاق لا من جهة إسْمَاعيل عليهما السلام فالْإضَافَة حقها كونها إلَى إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ
لكن أضيف الوراء إلَى إسحاق للملابسة، ولما كان فيه تعسف شديد كما أن اسْتعْمَال الوراء
في ولد الولد كَذَلكَ قال رحمه الله. وفيه نظر فوجه النظر أمران لا أمر واحد.
قوله:(والاسمان يحتمل وقوعهما في البشارة كيَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ويحتمل وقوعهما في
الحكاية بعد أن ولدا فسميا به)في قَوْله تَعَالَى: (نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) الآية.
وهذا هُوَ الأوجه لكن لما يصرح الاسم كما يحيى جوز الاحتمال الثاني.
قوله: (وتوجيه البشارة إليها) مع أن التبشير لإبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ كما ذكر في قوله
تَعَالَى: (وبشروه بغلام عليم) .
قوله: (للدلالة عَلَى أن الولد المبشر به يكون منها [لا من هاجر] ولأنها كانت عقيمة) للدلالة أي
للإعلام علة مصححة للتوجيه لا موجبة، ولذا لم يوجه البشارة إليها في مَوْضع آخر وأنت
تعلم أن البشارة حين وقعت من الْمَلَائكَة إنما يتوجه إلَى أحدهما فالتوجيه إلَى الآخر مجاز
عقلي والظَّاهر أن التوجيه إليها مجاز للملابسة الْمَذْكُورة عَلَى أن الولد إنما ينتمي إلَى الأب
ويؤيد ذلك قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى) الآية. لكن قوله
ولأنها كان عقيمة الخ. ربما يشير إلَى التبشير حين توجه إليها.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
إنه تعسف لبنو اللَّفْظ عن ذلك. وكذا يحتاج حِينَئِذٍ في إضافة وراء إلَى إسحاق إلَى تكلف حيث يراد
بالبعدية المرادة بـ وراء معنى مطلق الجهة كما قال بل من حيث إنه وراء إبْرَاهيم من جهته أي بل من
حيث إن يَعْقُوب وراء إبْرَاهيم من جهة إسحاق عَلَيْهِ السَّلَامُ، فالْمَعْنَى فبشرناها بإسحاق ومن جهة
إسحاق يَعْقُوب.
قوله: وتوجيه البشارة إليها. أي إلَى امرأة إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ. يعني كان الأصل والظَّاهر أن
يوجه التبشير إلَى إبْرَاهيم عليه السَّلام لا إلَى امرأته فعدل من الأصل للدلالة عَلَى أن الولد المبشر
به يكون من جهة امرأته لا من غيرها من الإماء ولأنها كانت عقيمة حريصة عَلَى الولد حاصل هذا
الوجه أن العقم والحرص إلَى الولد يوجبان زيادة الاستحقاق للبشارة.