قال الأخفش: من العرب من يقول: سلامٌ عليكم، ومنهم من يقول: السلام عليكم؛ فالذين ألحقوا الألف واللام حملوه على المعهود، والذين لم يلحقوا حملوه على غير المعهود. وزعم أن منهم من يقول: سلامُ عليكم، فلا ينون، وحمل ذلك على وجهين، أحدهما: أنه حذف الزيادة من الكلمة كما تحذف الأصل من نحو: لم يك، ولا أدر، والآخر: أنه لما كثر استعمال هذه الكلمة فيها الألف واللام حذفا منه لكثرة الاستعمال، كما حذف من (اللهم) فقالوا: (لاهم) ، وذكرنا معنى السلام في التحية عند قوله: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ} [الأنعام: 54] ، وقرأ حمزة والكسائي هاهنا (وقال سِلْم) بكسر السين، قال الفراء: وهو في المعنى سلام؛ كما قالوا: حِلّ وحلال، وحِرْم وحرام؛ لأن التفسير جاء: سلموا عليه فرد عليهم، وأنشد:
مررنا فقلنا إيه سلم فسلمت ... كما اكتلى بالبرق الغمام اللوايح
فهذا دليل على أنهم سلموا فردت عليهم، فعلى هذا: القراءتان
بمعنى واحد، وإن اختلف اللفظان، قال أبو علي: ويحتمل أن يكون: سلم، خلاف العدو والحرب، كأنهم قالوا لما كفوا عن تناول ما قدمه إليهم فنكرهم وأوجس منهم خفية قال: أنا سلم ولست بحرب ولا عدو، فلا تمتنعوا عن تناول طعامي، كما يُمتنع من تناول طعام العدو.
وقوله تعالى: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ} ، قال عبيد بن عمير: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف، فاغتم لذلك، فلما جاءته الملائكة فرأى أضيافًا لم ير مثلهم عجل فجاءهم بعجل حنيذ، فذلك قوله: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ} ، قال الفراء: {أَن} في موضع نصب؛ لوقوع {لَبِثَ} عليها كأنك قلت: فما أبطأ عن مجيئه بعجل، فلما ألقيت الصفة وقع الفعل عليها، قال: وقد يكون رفعا بـ (لبث) وتقديرها المصدر، أي فما لبث مجيئه بعجل، أي ما أبطأ ذلك المجيء.
وقوله تعالى: {حَنِيذٍ} ، قال الليث: الحنذ: اشتواء اللحم بالحجارة المسخنة، تقول حنذته حنذًا.