ورابعها: أنه خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة ، وخامسها: ما روي أنه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر ، وسادسها: أنه كان يحصل منها لبن كثير يكفي الخلق العظيم ، وكل من هذه الوجوه معجز قوي وليس في القرآن ، إلا أن تلك الناقة كانت آية ومعجزة ، فأما بيان أنها كانت معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه.
ثم قال: {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله} والمراد أنه عليه السلام رفع عن القوم مؤنتها ، فصارت مع كونها آية لهم تنفعهم ولا تضرهم ، لأنهم كانوا ينتفعون بلبنها على ما روي أنه عليه السلام خاف عليها منهم لما شاهد من إصرارهم على الكفر ، فإن الخصم لا يحب ظهور حجة خصمه ، بل يسعى في إخفاءها وإبطالها بأقصى الإمكان ، فلهذا السبب كان يخاف من إقدامهم على قتلها ، فلهذا احتاط وقال: {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء} وتوعدهم إن مسوها بسوء بعذاب قريب ، وذلك تحذير شديد لهم من الإقدام على قتلها ، ثم بين الله تعالى أنهم مع ذلك عقروها وذبحوها ، ويحتمل أنهم عقروها لإبطال تلك الحجة ، وأن يكون لأنها ضيقت الشرب على القوم ، وأن يكون لأنهم رغبوا في شحمها ولحمها ، وقوله: {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} يريد اليوم الثالث ، وهو قوله: {تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ} ثم بين تعالى أن القوم عقروها ، فعند ذلك قال لهم صالح عليه السلام: {تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثلاثة أَيَّامٍ} ومعنى التمتع: التلذذ بالمنافع والملاذ التي تدرك بالحواس ، ولما كان التمتع لا يحصل إلا للحي عبر به عن الحياة ، وقوله: {فِى دَارِكُمْ} فيه وجهان: الأول: أن المراد من الدار البلد ، وتسمى البلاد بالديار ، لأنه يدار فيها أي يتصرف يقال: ديار بكر أي بلادهم.
الثاني: أن المراد بالديار الدنيا.