وفرع على التذكير بهذه النعم أمرهم باستغفاره والتّوبة إليه ، أي طلب مغفرة أجرامهم ، والإقلاع عمّا لا يرضاه من الشرك والفساد.
ومن تفنّن الأسلوب أن جعلت هذه النعم علّة لأمرهم بعبادة الله وحده بطريق جملة التّعليل ، وجعلت علّة أيضاً للأمر بالاستغفار والتّوبة بطريق التّفريع.
وعطف الأمر بالتّوبة بحرف التّراخي للوجه المتقدّم في قوله: {ويا قوم استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه} [هود: 51] في الآية المتقدمة.
وجملة {إنّ ربّي قريب مجيب} استئناف بيانيّ كأنهم استعظموا أن يكون جرمهم ممّا يقبل الاستغفار عنه ، فأجيبوا بأنّ الله قريب مجيب ، وبذلك ظهر أنّ الجملة ليست بتعليل.
وحرف {إنّ} فيها للتّأكيد تنزيلاً لهم في تعظيم جرمهم منزلة من يشكّ في قبول استغفاره.
والقرب: هنا مستعار للرأفة والإكرام ، لأنّ البعد يستعار للجفاء والإعراض.
قال جبير بن الأضبط:
تباعد عنّي مطحل إذ دعوته
أمين فزاد الله ما بيننا بعداً...
فكذلك يستعار ضدّه لضدّه ، وتقدّم في قوله: {فإنّي قريبٌ أجيب دعوة الداعِ} في سورة [البقرة: 186] .
والمجيب هنَا: مجيب الدّعاء ، وهو الاستغفار.
وإجابة الدّعاء: إعطاء السائل مسؤوله.
{قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا}
هذا جوابهم عن دعوته البليغة الوجيزة المَلأى إرشاداً وهدياً.
وهو جواب مُلئ بالضلال والمكابرة وضعف الحجة.
وافتتاح الكلام بالنّداء لقصد التوبيخ أو الملام والتّنبيه ، كما تقدّم في قوله: {قالوا يا هود ما جئتنا ببيّنة} [هود: 53] .
وقرينة التّوبيخ هنا أظهر ، وهي قولهم: {قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} فإنّه تعريض بخيبة رجائهم فيه فهو تعنيف.
و {قد} لتأكيد الخبر.
وحذف متعلّق {مرجواً} لدلالة فعل الرجاء على أنّه ترقب الخير ، أي مرجواً للخير ، أي والآن وقع اليأس من خيرك.