أي: أن الرزق يشمل المؤمن والكافر ، عطاء من الربوبية .
ونريد أن نقول إنَّ عاطفة الأبوة والأمومة إنما تتناسب مع حاجة الابن تناسباً عكسيّا ، فإن كان الابن قوّياً فعاطفة الأبوة والأمومة تقلُّ .
ومثال ذلك: أننا نجد شقيقين أحدهما غني قائم بأمر الأبوين ويتكفَّل بهما ، بينما الابن الآخر فقير لا يقدر على رعاية الأبوين .
وسنلحظ أن قلب الأب والأم يكون مع الفقير ، لا مع الغَنيِّ ، فعاطفة الأبوة والأمومة تكون مع الضعيف والمريض والغائب ، وكلما كان الابن في حاجة ؛ كانت العاطفة معه .
وفي نداء نوح عليه السلام لربه سبحانه نلحظ أن نوحاً كان يملك المبرِّر طلباً لنجاة الابن ؛ لأن الحق سبحانه أمره بأن يحمل في السفينة من كلٍّ زوجين اثنين وكذلك أهله ، فأراد نوح عليه السلام أن يطلب النجاة لابنه من أهله ، فقال:
{رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين} [هود: 45] .
إذن: فنوح عليه السلام يملك حق الدعاء ؛ لأنه يطلب تحقيق وعد الله تعالى بأن يحمل أهله معه للنجاة .
وحين يقول نوح: {وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين} هو إقرار بأن الله سبحانه لا يخطئ ؛ لأن الابن قد غرق ، بل لا بد أن ذلك الغرق كان لحكمة .
ويقول الحق سبحانه: {قَالَ يا نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}
ويريد الحق سبحانه هنا أن يلفتَ نبيَّه نوحاً إلى أن أهليَّة الأنبياء ليست أهلية الدم واللحم ، ولكنها أهلية المنهج والاتِّباع ، وإذا قاس نوح عليه السلام ابنه على هذا القانون ، فلن يجده ابناً له .
ألم يقل نبينا صلى الله عليه وسلم عن سلمان الفارسي:"سلمان منَّا آل البيت".
إذن: فالبنوة بالنسبة للأنبياء هي بنوة اتِّباع ، لا بنوة نَسَب .
وانظر إلى دقة الأداء في قول الله تعالى:
{إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] .
ثم يأتي سبحانه بالعلة والحيثية لذلك بقوله: