وكان مقتضى الظاهر أن يقول: قال يا نوح اهبط ، ولكنه عدل عنه إلى بناء الفعل للنائب ليجيء على وتيرة حكاية أجزاء القصة المتقدمة من قوله: وقيل يا أرض ابلعي...
وقيل بعداً للقوم الظالمين [هود: 44] فحصل بذلك البناء قضاء حق الإشارة إلى جزء القصة ، كما حصل بالفصل قضاء حق الإشارة إلى أن ذلك القول جزء المحاورة.
ونداء نوح عليه السّلام للتنويه به بين الملأ.
والهبوط: النزول.
وتقدم في قوله: {اهبطوا مصراً} في سورة [البقرة: 61] .
والمراد: النزول من السفينة لأنّها كانت أعلى من الأرض.
والسّلام: التحيّة ، وهو مما يخاطب بها عند الوداع أيضاً ، يقولون: اذهب بسلام ، ومنه قول لبيد:
إلى الحول ثم اسْم السلام عليكما
وخطابه بالسلام حينئذٍ إيماء إلى أنه كان في ضيافة الله تعالى لأنه كان كافلاً له النجاة ، كما قال تعالى: {وحملناه على ذَات ألواححٍ ودُسرٍ تجري بأعيننا} [القمر: 13 ، 14] .
وأصْل السّلام: السّلامة ، فاستعمل عند اللقاء إيذاناً بتأمين المرء ملاقيه وأنّه لا يضمر له سوءاً ، ثم شاع فصار قولاً عند اللقاء للإكرام.
وبذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم الذين قالوا: السّلام على الله ، فقوله هنا: {اهبط بسلام} نظير قوله: {ادخلوها بسلام آمنين} [الحجر: 46] فإن السلام ظاهر في التحية لتقييده بـ (آمنين) .
ولو كان السّلام مراداً به السلامة لكان التقييد بـ (آمنين) توكيداً وهو خلاف الأصل.
و {منا} تأكيد لتوجيه السّلام إليه لأنّ (من) ابتدائية ، فالمعنى: بسلام ناشئ من عندنا ، كقوله: {سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ} [يس: 58] .
وذلك كثير في كلامهم.
وهذا التأكيد يراد به زيادة الصلة والإكرام فهو أشدُّ مبالغة من الذي لا تذكر معه (من) .
والباء للمصاحبة ، أي اهبط مصحوباً بسلام منّا.
ومصاحبة السّلام الذي هو التّحية مصاحبة مجازية.