واستظهر بعضهم أن الطوفان كان عاماً، إذ لم يكن العمران قائماً إلا بقوم نوح، فكان عاماً لهم، وإن كان من جهة خاصاً بهم؛ إذ ليس ثمَّ غيرهم، قال:
هبط آدم إلى الأرض وهو ليس بأمة، إذا مضت عليها قرون ولدت أمماً، بل هو واحد تمضي عليه السنون، بل القرون، ونمو عشيرته لا يكاد يكون إلا كما يتقلص الظل قليلاً قليلاً من آدم إلى نوح ثمانية آباء، فإن كان ثمانية آباء يعطون من الذرية أضعافاً وآلافاً، حتى يطؤوا وجه الأرض بالأقدام، وينشروا العمران في تلك الأيام، فتلك قضية من أعظم ما يذكره التاريخ أعجوبة للعالمين! أما تلك الجبال التي وجدت فوقها عظام الأسماك، فإن كانت مما وصل إليه الطوفان من المكان الخاص الذي سبق به البيان؛ فلا برهان. وإن كانت في غير ذلك المكان، فإن لم يكن وضعها إنسان، كما وجدها إنسان؛ كان نقل الجوارح والكواسر لتلك العظام، إلى تلك الجبال مما يسوغه الإمكان. بهذا وبغيره مما لا يغيب عن الأفهام تعلم أن الطوفان خاص عام: خاص بمكان، عام سائر المكان - والله أعلم -. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 9 صـ 106 - 108}