وهذه الجملةُ تدُلُّ على وجود الرياح الشديدة في ذلك الوقت، قال علماءُ السير: أرسلَ الله تعالى المطَرَ أربعين يومًا وليلةً، وخرج الماء من الأرض، وارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعًا، وقيل: خَمْسَةَ عَشَر ذِراعًا حتى أغرَق كل شيء .
ورُوي أنه لما كَثُر المَاءُ في السكك خَافَتَ أم صبيٍّ على ولدها من الغرق، وكانت تحبه حبًّا شديدًا، فخرجت به إلى الجبل حتى بَلغت ثلثه، فلَحِقَهَا الماء، فارتفعَتْ حتى بلغت ثلثَيه فلَمّا لَحِقَها الماء ذهبَتْ حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء إلى رقبتها رفعت الصبيَّ. بِيَدَيْها حتى ذَهَبَ بهِمَا الماءُ فأغرقهما، فلَوْ رحم الله منهم أحدًا .. لرَحِمَ أمُّ الصبِيّ ثم بَيَّنَ أنَّ نوحًا دَعَته الشفقة على ابنه، فناداه كما أشار إلى ذلك بقوله: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} هو كنعانُ، وقيل: يَام، قيل: وكان كَافِرًا، واستبعِدَ كون نوح ينادي مَنْ كان كافرًا مع قوله: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} وأُجيب بأنه كان منافقًا، فظنَّ نوح أنه مؤمن، وقيل: حملته شَفَقةُ الأُبُوَّة على ذلك، وقيل: إنه كان ابنَ امرأته، ولم يكن بابنه، ويؤيِّده ما روى أنّ علّيًا قرأ: {ونادى نوح ابنها} ، وقيل: إنَّه كان لغير رشدة، وولدَ على فراش نوح، ورُدَّ بأن قوله: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} ، وقوله: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} يَدْفَعُ ذلك على ما فيه من عدم صيانةِ مَنْصِبِ النبوة.
أي: ونادى نوح ابنه كنعانَ قَبْلَ سَيْرِ السَّفينَةِ {و} الحال أنه {كان في معزل} ؛ أي: في مكان بعيد عزل وبعد وفصل فيه نفسه عن أبيه وإخوته وقرابته وقومه، بحيث لم يَبْلُغه الخطاب بارْكَبُوا؛ أي: قول نوح لمَنْ آمَن {اركبوا} وقيل: {في معزل} عن دين أبيه، وقيل: من السفينة، قيل: وكان هذا النداء قبل أنْ يَسْتَيْقِنَ الناسُ الغرَقَ بل كان في أوَّلِ فور التنور.