قوله: {وَهُدًى} أي نور يقذف في قلوب الكاملين، يميزون به الحق والباطل، وفي هذه الآية إشارة إلى الشريعة والطريقة والحقيقة، فأشار للشريعة بقوله: {مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} لأن الشريعة بها تطهير الظواهر، وأشار للطريقة بقوله: {وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ} لأن الطريقة بها تطهير البواطن عن كل ما لا ينبغي، وأشار للحقيقة بقوله: {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} لأن بالحقيقة التجلي بالأنوار الساطعة في القلوب التي يرى بها الأشياء على ما هي عليه فعند ذلك يرى الله في كل شيء ، وأقرب إليه من كل شيء ، علماً ذوقياً، لا علماً يقينياً، فالحقيقة ثمرة الطريقة ولا تحصل إلا بعد التخلق بالطريقة والشريعة، ولذا قيل: حقيقة بلا شريعة باطلة، وشريعة بلا حقيقة عاطلة.
قوله: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ} إلخ، متعلق بمحذوف دل عليه ما بعده، والأصل ليفرحوا، {بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإفادة الحصر، ثم دخلت الفاء لإفادة السببية، والمعنى أن من اتصف بهذه الصفات المتقدمة، ينبغي له أن يفرح ويشكر ما أنعم الله به عليه، ويجود بروحه وجسمه في خدمة ربه ولا يتوانى، فمن قذف الله في قلبه نور محبته، فالواجب عليه إفناء جسمه في خدمته، كي يتم له ذلك النور ويزداد السرور، وهذه المحبة هي التي يعبر عنها العارفون بالخمرة والشراب والحميا، لأن بها السكر والفناء عما سوى الله تعالى، قال العارف رضي الله عنه:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
وقال العارف:
ولا تنظر لجسمي يا عذولي ... فإن الجسم مطلوبي سلاه
ولا تنكر شراب حمى قلبي ... فإن القلب محبوبي سقاه
وقال العارف موضحاً لهذه الخمرة:
فتلك خمر الشهود تدعى ... لا خمرة الكرم والدنان
من ذلك المعنى قوله تعالى:
{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [الجن: 16 - 17] فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل محبته، وأن يحشرنا في زمرة أهل قربه ومودته.