والمراد بالكتاب المبين: علم الله الذي وسع كل شيء ، أو اللوح المحفوظ الذي حفظ الله فيه كل شيء .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله - تعالى - لكل شيء ، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور.
وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء في القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه.
بعد كل ذلك، بشر أولياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير، ورد على الذين قالوا اتخذ الله ولدا بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال - تعالى -:
[سورة يونس (10) : الآيات 62 إلى 70]
(أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)
والأولياء: جمع ولى مأخوذ من الولي بمعنى القرب والدنو، يقال: تباعد فلان من بعد ولى أي: بعد قرب.
والمراد بهم: أولئك المؤمنون الصادقون الذي صلحت أعمالهم، وحسنت بالله - تعالى - صلتهم، فصاروا يقولون ويفعلون كل ما يحبه، ويجتنبون كل ما يكرهه.
قال الفخر الرازي: «ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب، فولى كل شيء هو الذي يكون قريبا منه.
والقرب من الله إنما يتم إذا كان القلب مستغرقا في نور معرفته، فإن رأى رأى دلائل قدرته، وإن سمع سمع آيات وحدانيته، وإن نطق نطق بالثناء عليه، وإن تحرك تحرك في خدمته، وإن اجتهد اجتهد في طاعته، فهنالك يكون في غاية القرب من الله - تعالى - ويكون وليا له - سبحانه - .
وإذا كان كذلك كان الله - وليا له - أيضا - كما قال: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ.
وقد افتتحت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح أَلا وبحرف التوكيد إِنَّ لتنبيه الناس إلى وجوب الاقتداء بهم، حتى ينالوا ما ناله أولئك الأولياء الصالحون من سعادة دنيوية وأخروية.
وقوله: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ تمييز لهم عن غيرهم ممن لم يبلغوا درجتهم.