هذا وليس بيع الأنفس والأموال للّه مرادا به بذلهما فِي القتال فِي سبيل اللّه ثم الوقوف بهما عند تلك الغاية وحدها .. فإذا لم يكن بين يدي المؤمن قتال ومجاهدة للعدو، فهناك ميدان فسيح للجهاد فِي سبيل اللّه فِي غير ميدان القتال، فمجاهدة النفس والوقوف بها عند حدود اللّه، هو جهاد مبرور فِي سبيل اللّه ..
والعبادات بأنواعها، وأداؤها على وجهها جهاد فِي سبيل اللّه، والسعى فِي تحصيل الرزق من وجوهه المشروعة، جهاد فِي سبيل اللّه .. والبر بالفقراء، والإحسان إلى اليتامى .. هو جهاد فِي سبيل اللّه.
وإذا كانت الآية الكريمة قد خصّت القتال فِي سبيل اللّه بالذكر هنا، فليس ذلك إلا تنويها يفضل الجهاد فِي ميدان القتال، إذ يمثل الصورة الكاملة التي يبذل فيها المرء كل ما يملك، ويقدم للّه فيها كل ما معه من نفس ومال ..
على خلاف أبواب الجهاد كلها، فإنه يبذل بعضا من كلّ، ويقدم للّه بعضا ويستبقى بعضا.
وقوله تعالى: «فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» .
هو مباركة من اللّه سبحانه وتعالى لأولئك المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم له - مباركة بهذه الصفقة التي عقدوها مع اللّه، وتبشير لهم بالربح العظيم، والمغنم الجزيل الذي وراءها .. إنها الجنة التي وعدهم اللّه بها وإنها الرضوان من رب العالمين .. وذلك هو الفوز العظيم .. انتهى انتهى. {التفسير القرآني للقرآن حـ 6 صـ 898 - 901}