ونقول - واللّه أعلم - إن بعض السر فِي هذا هو أن اللّه سبحانه وتعالى ، هو الذي يطلب الأنفس والأموال فِي هذا المقام ، على حين أنه فِي جميع المواضع التي ذكرت فيها الأنفس والأموال فِي القرآن الكريم - كانت مبذولة من المسلمين ، أو مطلوبا منهم بذلها ..! ولاختلاف المقام اختلف النظم .. ففى شراء اللّه سبحانه وتعالى ما يشترى من المؤمنين يقدم الأنفس على الأموال لأنها عند اللّه أكرم وأعز من المال ، على حين أن المال عند الناس أعز من الأنفس ، إذ يتقاتلون من أجله ، مخاطرين بأنفسهم ويقتلون أنفسهم فِي سبيله! وفى اختلاف النظم هنا إلفات للناس إلى ما ذهلوا عنه من أمر أنفسهم ، إذ استرخصوها إلى جانب المال ، على حين أنها شيء كريم عزيز عند اللّه.
ـ وفى قوله تعالى: « يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ » إشارة إلى أن من شأن المؤمن أن يكون له يد ظاهرة على عدوه ، وبلاء مؤثّر فيه ، وأنه قبل أن يقتل لا بد أن يقتل من عدوه واحدا أو أكثر ، حتى لا يذهب دمه هدرا ، وحتى بوهن العدو ويضعف من شوكته ، ويكتب بدمه حرفا من كلمة النصر التي كتبها اللّه للمؤمنين ..
ـ وقوله تعالى: « وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ .. وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ »
؟ هو توكيد لما وعد اللّه المؤمنين الذين باعوه أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة ، فهذا الوعد حق لا مرية فيه - كما جاء به القرآن والتوراة والإنجيل.
فذلك هو وعد اللّه للمؤمنين المجاهدين ، فيما جاءت به الكتب السماوية المنزلة من رب العالمين .. « وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ » ؟ وهل يخلف اللّه وعده ، أو ينقض عهده؟ تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ..