و {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} متعلق بأسس: أي أسس على التقوى من أول يوم من أيام تأسيسه ، قال بعض النحاة: إن {مِنْ} هنا بمعنى منذ: أي منذ أوّل يوم ابتدئ ببنائه ، وقوله: {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} خبر المبتدأ ، والمعنى: لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى بقيامك فيه للصلاة ولذكر الله ، لكونه أسس على التقوى من أوّل يوم ، ولكون {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} وهذه الجملة مستأنفة لبيان أحقية قيامه فيه: أي كما أن هذا المسجد أولى من جهة المحل ، فهو أولى من جهة الحالّ فيه ، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال: أي حال كون فيه رجال يحبون أن يتطهروا ، ويجوز أن تكون صفة أخرى لمسجد.
ومعنى محبتهم للتطهر: أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه عند عروض موجبه ؛ وقيل: معناه: يحبون التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار.
والأوّل: أولى.
وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المطهرة من الذنوب فحموا جميعاً ، وهذا ضعيف جدّاً.
ومعنى محبة الله لهم: الرضا عنهم ، والإحسان إليهم ، كما يفعل المحب بمحبوبه.
ثم بيّن سبحانه أن بين الفريقين بوناً بعيداً.
فقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} والهمزة للإنكار التقريري ، والبنيان مصدر كالعمران ، وأريد به المبنيّ ، والجملة مستأنفة.
والمعنى: أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة ، وهي تقوى الله ورضوانه ، خير ممن أسس دينه على ضدّ ذلك ، وهو الباطل والنفاق ، والموصول مبتدأ ، وخبره {خير} ، وقرئ:"أسس بنيانه"على بناء الفعل للفاعل ، ونصب بنيانه ، واختار هذه القراءة أبو عبيدة ، وقرئ على البناء للمجهول ، وقرئ:"أساس بنيانه"بإضافة أساس إلى بنيانه ، وقرئ:"أسّ بنيانه"والمراد: أصول البناء ، وحكى أبو حاتم قراءة أخرى ، وهي"آساس بنيانه"على الجمع ، ومنه:
أصبح الملك ثابت الآساس... بالبهاليل من بني العباس